ورد في هذا أنواع من الأذكار والأدعية، وفيما يلي عرض لجملة من النصوص الواردة في هذا الباب مع إيضاح شيء من معانيها ودلالتها.
روى مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁ قال: "صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ البَقَرَةَ، فَقُلْتُ يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ يُصَلِّي بهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ يَرْكَعُ بهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذا مَرَّ بآيَةٍ فِيهَا تَسْبيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ العَظِيم، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ
[ ٥٦ ]
فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ" ١.
ففي هذا الحديث مشروعية أن يقولَ المسلمُ في ركوعه (سبحان ربي العظيم) وفي سجوده (سبحان ربي الأعلى)، قال ابن القيم ﵀: "فشُرعَ للرَّاكع أن يَذكرَ عَظمة ربِّه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه، وأنه سبحانه يوصف بوصف عظمته عما يضاد كبرياءه وجلاله وعظمته، فأفضل ما يقول الراكع على الإطلاق: (سبحان ربي العظيم) فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك، وعين المبلغُ عنه السفيرُ بينه وبين عباده هذا المحل لهذا الذكر لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ٢ قال: (اجعلوها في ركوعكم) "٣.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٧٧٢) . ٢ سورة: الواقعة، الآية (٧٤) . ٣ كتاب الصلاة لابن القيم (ص:١٧٦) .
[ ٥٧ ]
وقال عن السجود: "وشرع فيه من الثناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد (سبحان ربي الأعلى)، فهذا أفضل ما يقال فيه، ولم يرد عن النَّبيّ ﷺ أمره في السجود بغيره حيث قال: (اجعلوها في سجودكم) وكان وصف الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحال الساجد الذي قد انحط إلى السفل على وجهه، فذكر علو ربه في حال سقوطه، وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه، ونزه ربه عما لا يليق به مما يضاد عظمته وعلوه"١.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولُ فِي رُكُوعِه وَسُجُودِهِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ" ٢.
_________________
(١) ١ كتاب الصلاة لابن القيم (ص:١٨١) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٧٩٤)، وصحيح مسلم (رقم:٤٨٤) .
[ ٥٨ ]
والمراد بقولها ﵂ يتأول القرآن؛ أي: يتأول قول الله ﷿ في سورة النصر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ١، فكان يُكثر أن يقولَ في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللَّهمَّ ربنا وبحمدك اللَّهمَّ اغفرلي".
وروى مسلم في صحيحه عنها ﵂: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِه وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلاَئِكَةِ وَالرُّوحِ" ٢.
وقوله: "سُبُّوح قُدُّوس" هما اسمان لله دالان على تعظيم الله وتنْزيهه سبحانه عن كلِّ ما لا يليق به من النقائص والعيوب، وعن أن يشبههُ أحدٌ من خلقه في شيء من خصائصه ونعوت كماله، وقوله: "ربُّ الملائكة والروح" فيه ذكر ربوبية الله للملائكة عمومًا،
_________________
(١) ١ سورة: النصر، الآية (٣) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٤٨٧) .
[ ٥٩ ]
ثم خَصَّ بالذِّكر جبريل ﵇ الروح الأمين؛ لكونه أفضلَ الملائكة ومقدّمَهم، وهو الذي كان يَنْزل بالوحي على رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١، وقد سُمِّي جبريل ﵇ روحًا؛ لأنَّه كان يَنْزل بالوحي الذي به حياة القلوب.
وروى أبو داود والنسائي وغيرهما عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: "قُمْتُ مَعَ رَسُول اللهِ ﷺ لَيْلَةً، فَقَامَ فَقَرَأَ سُورَةَ البَقَرَةِ، لاَ يَمُرُّ بآيَةِ رَحْمَةٍ إِلاَّ وَقَفَ فَسَأَلَ، وَلاَ يَمُرُّ بآيَةِ عَذَابٍ إِلاَّ وَقَفَ فَتَعَوَّذَ، قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ بقَدْرِ قِيَامِهِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ ذِي الجَبَرُوتِ وَالمَلَكُوتِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ، ثُمَّ سَجَدَ بقَدْرِ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ فِي سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ
_________________
(١) ١ سورة: الشعراء، الآيات (١٩٢ - ١٩٥) .
[ ٦٠ ]
بآلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَرَأَ سُورَةً سُورَةً"١.
وقوله: "سبحان ذي الجبروت والملكوت" أي: تَنَزَّه وتقدَّس، "والجبروت والملكوت" فَعَلُوت من الجبر والملك، كالرَّحَموت والرَّغَبوت والرَّهَبوت فَعَلُوتٌ من الرحمة والرغبة والرهبة، والعرب تقول: "رهبوت خير من رحموت" أي: أن ترهب خير من أن ترحم، فالجبروت والملكوت يتضمن من معاني أسماء الله وصفاته ما دل عليه معنى الملك الجبار٢، قال الله تعالى في آخر سورة يس ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٣.
وقوله: "والكبرياء والعظمة" أي: وذي الكبرياء والعظمة، وهما وصفان متقاربان خاصَّان بالله تعالى،
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٨٧٣)، وسنن النسائي (رقم:١١٢٠)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (رقم:٧٧٦) . ٢ انظر الرد على المنطقيين لابن تيمية (ص:١٩٦) . ٣ سورة: يس، الآية (٨٣) .
[ ٦١ ]
لا يستحقهما أحدٌ سواه، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النَّبيّ ﷺ: "قال الله ﷿: الكبْرياءُ ردَائِي، والعظَمةُ إزاري، فمَن نازعَنِي واحدًا منهما قَذَفْته في النار" ١.
فجعل العظَمةَ بمنْزلة الإزار، والكبرياء بمنْزلة الرداء، إشارة إلى اختصاص الرَّبِّ سبحانه بهما، وتنْزيهه سبحانه عن الشريك في شيء من ذلك.
وروى مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ في حديث طويل: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذا رَكَعَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبي، وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٤٠٩٠)، وصحَّحه الألباني ﵀ في الصحيحة (رقم:٥٤١) .
[ ٦٢ ]
شَيْءٍ بَعْدُ، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ" ١.
قوله: "اللَّهمَّ لك ركعت" تأخيرُ الفعل يَدلُّ على الاختصاص؛ أي: لك ركوعي لا لسواك.
وقوله: "وبك آمنت" أي: أقرَرْتُ وصدَّقت.
وقوله: "ولك أسلمت" أي: انقدت وأطعت.
وقوله: "خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي" أي: أن هذه الأشياء مني كلها خضعت لك وذلت بين يديك وانكسرت لجَنَابك.
وقوله إذا رفع من الركوع: "سمع الله لمن حمده" أي: استجاب الله لمن حمده فالسمع هنا سمع إجابة.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٧٧١) .
[ ٦٣ ]
وقوله: "ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء
بعد"، سيأتي الكلام عن معناه إن شاء الله.
وقوله: "سجد وجهي للذي خلَقَه وصوَّره وشَقَّ سمعَه وبصرَه، تبارك الله أحسن الخالقين" فيه استحضارُ العبد لعظمة الله سبحانه، وكمال خلقه للإنسان في أكمل صورة وأحسن تقويم، فتبارك الله أحسن الخالقين.
[ ٦٤ ]