الحديث هنا سيكون عن الأذكار التي يقولها المسلم إذا انصرف من صلاته بعد السلام، وقد جاء في هذا أحاديث عديدة.
منها ما رواه مسلم في صحيحه عن ثوبان ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذا انْصَرَفَ مِنَ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ، تَبَارَكْتَ ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ".
قَالَ الوَلِيدُ - أحد رواة الحديث ـ: فَقُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: كَيْفَ الاسْتِغْفَارُ؟ قَالَ: تَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أَسْتَغْفِرُ اللهَ أَسْتَغْفِرُ اللهَ١.
قوله: "اللَّهمَّ أنت السلام" السلام اسم من أسماء الله الحسنى التي أمرنا الله بدعائه بها في قوله:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٥٩١) .
[ ١٠٧ ]
﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١، ومعناه: أي المنَزَّه عن كلِّ عيب وآفة ونقص، وهو سبحانه منَزَّهٌ عن كلِّ ما ينافي صفات كماله، ومنزه عن مماثلة أحد من خلقه، أو أن يكون له ند بوجه من الوجوه.
وقوله: "ومنك السلام" أي: أنَّ السلامة من المهالك إنما ترجى وتستوهب منك وحدك، ولا ترجى من أحد سواك، وهذا مستفاد من أسلوب الحصر في قوله: "ومنك السلام" أي: وحدك دون غيرك.
وقوله: "تباركت ذا الجلال والإكرام" تباركت: أي تعاليت وتعاظمت، وذا الجلال والإكرام، أي: يا صاحب الجلال والإكرام، وهما وصفان عظيمان للرب سبحانه دالان على كمال عظمته وكبريائه ومجده، وعلى كثرة صفاته الجليلة وتعدد عطاياه الجميلة، مما يستوجب على العباد أن تمتلئ قلوبُهم محبة
_________________
(١) ١ سورة: الأعراف، الآية (١٨٠) .
[ ١٠٨ ]
وتعظيمًا وإجلالًا له.
والحكمةُ من الإتيان بالاستغفار بعد الصلاةِ هي إظهارُ هَضْم النَّفس، وأنَّ العبدَ لَم يَقُم بحقِّ الصلاة، ولَم يأت بما ينبغي لها على التَّمام والكمال، بل لا بدَّ أن يكونَ قد وَقَعَ في شيء من النَّقص والتقصير، والمقصِّرُ يستغفرُ لعلَّه أن يُتجاوَزَ عن تقصيره، ويكونَ في استغفاره جَبْرٌ لِمَا فيه من نقص أو تقصير.
ثم يشتغل المصلِّي بعد ذلك بالتهليل، فعن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال: كتب المغيرة إلى معاوية بن أبي سفيان: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنَ الصَلاَةِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ" رواه البخاري ومسلم١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٨٤٤)، وصحيح مسلم (رقم:٥٩٣) .
[ ١٠٩ ]
وعن عبد الله بن الزبير ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ حِينَ يُسَلِّمُ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الحَسَنُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهَلِّلُ بهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ". رواه مسلم١.
قوله: "ولا ينفَعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ" أي: لا ينفع صاحب الغنى منك غناه وإنَّما ينفعُه طاعته لك وإيمانه بك وامتثاله لأمرك.
وقوله: "لا إله إلاَّ الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" أي: نحن على هذا التوحيد والإخلاص ولو كره الكفار ذلك.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٥٩٤) .
[ ١١٠ ]
ثمَّ يَشرَعُ المسلمُ بعد ذلك في التسبيحات الواردة التي كان يقولها ﷺ أدبار الصلوات.
فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتْسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المِائَةِ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرْتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبدِ البَحْرِ" ١.
وعنه ﵁ قال: "جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ؛ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بهَا وَيَعْتَمِرُونَ وَيُجَاهِدُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ. قَالَ: ألاَ أُحَدِّثُكُمْ بأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٥٩٧) .
[ ١١١ ]
أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلاَّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؛ تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ" ١.
قال أبو صالح - راوي الحديث عن أبي هريرة ـ: "يقول: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر حتى يكون منهنَّ كلُّهن ثلاثًا وثلاثًا" لكن هذا فهم منه للحديث، والأظهر أنَّ المجموعَ لكلِّ كلمة من هؤلاء الكلمات بأن يسبح ثلاثًا وثلاثين ويحمد ثلاثًا وثلاثين، ويكبر ثلاثًا وثلاثين كما في حديث أبي هريرة السابق٢.
وعن عبد الله عمرو ﵄ عن النَّبيّ ﷺ قال: "خَصْلَتَانِ - أَوْ خَلَّتَانِ - لاَ يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بهِمَا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٨٤٣)، وصحيح مسلم (رقم:٥٩٥) . ٢ انظر: فتح الباري لابن حجر (٢/٣٢٨) .
[ ١١٢ ]
قَلِيلٌ؛ يُسَبِّحُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُ عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُونَ وَمَائَةٍ باللِّسَانِ، وَأَلْفٌ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي المِيزَانِ، وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ إِذا أَخَذَ مَضْجِعَهُ، وَيَحْمَدُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، فَذَلِكَ مِائَةٌ باللِّسَانِ، وَأَلْفٌ فِي المِيزَانِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَعْقِدُهَا بيَدِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ هُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بهِمَا قَلِيلٌ؟ قَالَ: يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهُ، وَيَأْتِيهِ فِي صَلاَتِهِ فَيُذَكِّرُهُ حَاجَةً قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا" رَواه أبو داود، والترمذي١.
ويُستحب للمسلم أن يقرأ أدبار الصلوات ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فعن عقبة بن عامر ﵁ قال:
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٥٦٥)، وسنن الترمذي (رقم:٣٤١٠)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح الترغيب (رقم:٦٠٦) .
[ ١١٣ ]
"أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ أَقْرَأ المُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ". رواه أبو داود، والنسائي١، والمراد بالمعوذات هذه السُّوَر الثلاث، وقد أطلق عليه المعوذات تغليبًا٢.
وأن يقرأ كذلك آية الكرسي لحديث أبي أمامة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ". رواه النسائي فِي عمل اليوم والليلة٣.
والمراد بقوله "لَم يمنعه من دخول الجنة إلاَّ أن يموت" أي: لَم يكن بينه وبين دخول الجنة إلاَّ الموت.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:١٥٢٣)، وسنن النسائي (رقم:١٣٣٦)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (رقم:١٣٤٨) . ٢ انظر: فتح الباري لابن حجر (٨/١٣٢) . ٣ عمل اليوم والليلة (رقم:١٠٠)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٦٤٦٤) .
[ ١١٤ ]
قال ابن القيم ﵀: "بلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية - قدس الله روحه - أنه قال: ما تركتها عقيب كلِّ صلاة"١.
ومن المشروع للمسلم أن يقول أدبار الصلوات ما أوصى به النَّبيّ ﷺ معاذ بن جبل ﵁، ففي سنن أبي داود والنسائي وغيرهما عن معاذ بن جبل ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ بيَدِهِ يَوْمًا وَقَالَ: يَا مُعَاذٍ، وَاللهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذٍ، لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" ٢، وهذا الدعاء هل يقال قبل السلام أو بعده، قولان لأهل العلم واختار شيخ الإسلام أن يقال قبل السلام، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ زاد المعاد (١/٣٠٤) . ٢ سنن أبي داود (رقم:١٥٢٢)، وسنن النسائي (رقم:١٣٠٣)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (رقم:١٣٤٧) .
[ ١١٥ ]