إنَّ من المواطن التي يُستحب للمسلم أن يَتحرى فيها الدعاء في الصلاة ما بين التشهد والتسليم، فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ علمه التشهد ثم قال في آخره: "ثم ليتَخيَّر من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو" ١، وفي رواية لمسلم: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء" ٢.
والأولى بالمسلم في هذا المقام أن يأتي بالأدعية المأثورة عن النَّبيِّ ﷺ وإن دعا بأدعية غيرها لا محذور فيها فلا بأس بذلك.
وفيما يلي ذكر لبعض الأدعية المأثورة في هذا المقام، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٨٣٥)، وصحيح مسلم (رقم:٤٠٢) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٤٠٢) .
[ ٨٩ ]
رسول الله ﷺ: "إِذا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ باللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بكَ مِنْ عَذَاب جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَاب القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَجَّالِ" ١، وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى القول بوجوب هذه الاستعاذة قبيل السلام، وجمهور العلماء على أنَّها مستحبة وليست بواجبة.
قوله: "من عذاب جهنم" قدَّم التعوذ من عذاب جهنم؛ لأنَّه الغايةُ التي لا أعظم في الهلاك منها، وجهنَّم اسم للنار التي أعدها الله للكفار يوم القيامة.
وقوله: "ومن عذاب القبر" فيه أنَّ عذاب القبر حق، وأنَّ المسلم ينبغي عليه أن يتعوذ بالله منه.
وقوله: "ومن فتنة المحيا والممات" أي الحياة والموت، والمراد التعوذ من جميع فتن الدارين؛ في الحياة من كلِّ ما يَضُرُّ بدين الإنسان أو بدنه أو دنياه، وفي
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:١٣٧٧)، وصحيح مسلم (رقم:٥٨٨) .
[ ٩٠ ]
الموت من شدائده وما يكون بعده من أهوال.
وقوله: "ومن فتنة المسيح الدجال" المسيح الدجَّال هو منبع من منابع الكفر والضلال، ومصدر من مصادر الفتن والأوجال، يكون خروجه على الناس آخر الزمان، وهو شرط من أشراط الساعة، سُمِّي مسيحًا؛ لأنَّ إحدى عينيه مَمسوحة، فهو أعور عينه اليمنى، وسُمِّيَ دجَّالًا من الدَّجل وهو الكذب، وفتنة خروجه من أعظم الفتن، وما من نَبيٍّ بعثه الله إلاَّ حذَّر منه قومه وأنذر.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاَةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بكَ مِنْ عَذَاب القَبْرِ، وَأَعُوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَجَّالِ، وَأَعُوذ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا، وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ. فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذ مِنَ المَغْرَمِ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذا غَرِمَ
[ ٩١ ]
حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ" ١.
والمأثم: هو الأمر الذي يأثم به الإنسان من جميع المعاصي والذنوب، والمغرَم: ما يلزم الإنسان أداؤه بسبب جناية أو معاملة أو نحو ذلك، فالمأثم إشارة إلى حقِّ الله، والمغرم: إشارة إلى حق العباد.
ومن الأدعية في هذا المقام ما رواه مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب ﵁ في حديث طويل: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ مِنْ آخَرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بهِ مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ" ٢.
قوله: "ما قدَّمت" أي من خطأ وتقصير، " وما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٨٣٣) وصحيح مسلم (رقم:٥٨٩) . ٢ صحيح مسلم (رقم:٧٧١) .
[ ٩٢ ]
أخَّرت" أي ما سيقع منِّي من ذلك في الزمن المستقبل، "وما أسررت وما أعلنت" أي ما وقع مني منها في السِّرِّ أو العلانية، "وما أسرفت" أي على نفسي بارتكاب المعاصي القاصرة أو المظالم المتعدية.
وقوله: "أنت المقدِّم" أي لمن تشاء بالمعونة والتوفيق والسداد، و"أنت المؤخِّر" أي لِمَن تشاء بالخذلان والحرمان وعدم المعونة.
وقوله: "لا إله إلاَّ أنت" أي لا معبود بحقٍّ سواك.
ومن الأدعية المأثورة في هذا المقام ما رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ، قال النَّبيُّ ﷺ لرجل: "كَيَفَ تَقُولُ فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الجَنَّةَ، وَأَعُوذ بكَ مِنَ النَّارِ، أَمَا إِنِّي لاَ أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلاَ دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: حَوْلَهَا
[ ٩٣ ]
نُدَنْدِنُ" ١، أي: حول طلب دخول الجنَّة والنجاة من النار نُدَنْدن، والدَّنْدَنَة أن يتكلَّم الرجلُ بالكلام، فتُسمَع نغمتُه ولا يُفهم كلامُه.
وقد جاء في السُّنَّة أحاديث مشتملة على أدعية تُقال في الصلاة، ولم يُبَيَّن محلُّها، والأولى أن تكون في أحد موطنين؛ إما في السجود أو بعد التشهد؛ لأنَّ السُّنَّة جاءت بتحرِّي الدعاء فيهما، ومن هذه الأدعية ما رواه البخاري ومسلم عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال للنَّبيِّ ﷺ: "عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بهِ فِي صَلاَتِي؟ قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ" ٢.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٧٩٢)، وسنن ابن ماجه (رقم:٩١٠)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح ابن ماجه (رقم:٧٤٢) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٨٣٤)، وصحيح مسلم (رقم:٢٧٠٥) .
[ ٩٤ ]
ومنها ما رواه النسائيُّ عن عطاء بن السائب، عن أبيه ﵁ قال: "صَلَّى بنَا عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ ﵁ صَلاَةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ القَوْمِ: لَقْدْ خَفَّفْتَ أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا قَامَ تَبعَهُ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ - هُوَ أبي غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ - فَسَأَلَهُ عَن الدُّعَاءِ ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بهِ القَوْمَ: اللَّهُمَّ بعِلْمِكَ الغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذا عَلِمْتَ الوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْب وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَب، وَأَسْأَلُكَ القَصْدَ فِي الفَقْرِ وَالغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لاَ يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ القَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ،
[ ٩٥ ]
وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَا بزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ" ١.
وهو حديثٌ عظيمٌ ثابتٌ عن النَّبيِّ الكريم ﷺ، مشتملٌ على فوائد عظيمة، ومقاصد كريمة، وغايات مباركة.
وقد أفرد الحافظ ابن رجب ﵀ رسالةً لطيفةً في شرح هذا الحديث وبيان معانيه، وهي رسالة نافعة، ولعلي أقف مع بعض دلالات هذا الحديث ومعانيه العظيمة، ليكون ذلك عونًا لنا - بإذن الله - على العناية به والمواظبة عليه، والله الموفِّق.
_________________
(١) ١ سنن النسائي (رقم:١٣٠٥)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:١٣٠١) .
[ ٩٦ ]