لقد ورد في شأن الأذان - وهو النِّداءُ إلى الصلاة والإعلام بدخول وقتِها بألفاظ مخصوصة - نصوصٌ كثيرة في سنَّة النَّبيِّ الكريم ﷺ تدلُّ على فضلِه وعظَم شأنه وكثرةِ منافعه وفوائده، سواء على المؤذن نفسِه أو على من يسمع نداءه.
فمن فضائل الأذان ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" ١، ومدى صوتِه: أي غايتُه ومنتهاه.
وفي الحديث دلالة على أنَّ كلَّ مَن سمع صوتَ المؤذِّن من الإنس أو الجنِّ أو الشجر أو الحجر أو
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٦٠٩) .
[ ٣١ ]
الحيوانات يشهد له بذلك يوم القيامة، وفي هذا دلالة على استحباب رفع الصوت بالأذان لِيَكثُرَ مَن يشهد له، ما لَم يُجْهِدْه أو يتأذى به.
ومن فضائل الأذان ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو يَعلم الناسُ ما في النّداء والصَّف الأول ثم لَم يجدوا إلاَّ أن يستهموا عليه لاستَهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْوًا" ١.
والاستهامُ: الاقتراعُ، والتَّهجيرُ: التبكير إلى صلاة الظهر، وقيل: إلى كلِّ صلاة، والعتمة: صلاة العِشاء.
ومن فضائل الأذان ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا نُوديَ للصلاة أدْبَرَ الشيطانُ له ضُراط، حتى لا يسمع
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٦١٥)، وصحيح مسلم (رقم:٤٢٧) .
[ ٣٢ ]
التأذين، فإذا قُضي التأذين أَقْبَلَ، فإذا ثُوِّب بالصلاة أَدْبَر [أي: إذا أقيمت الصلاة] فإذا قُضي التَّثويبُ أَقْبَلَ، حتى يَخطرَ بين المَرء ونفسه، يقول: اذْكُر كذا، اذكُر كذا لِمَا لَم يكن يَذْكُر، حتى يَظلَّ الرَّجلُ لا يَدري كم صلَّى" ١.
وقد دلّ الحديث على أنَّ الأذان يطردُ الشيطان، وأنَّه إذا سمعه ولَّى هاربًا حتى لا يسمع التأذين، فهو حينما يسمعه يهرب نفورًا عن سماعه، فإذا قضي يرجع موسوسًا ليُفسد على المصلِّي صلاته.
والنصوص في فضل الأذان كثيرة.
ثم إنَّ المسلمَ إذا سمع النِّداء يُستحبُّ له أن يقول مثلَ ما يقول المؤذِّن؛ لِما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِذَا سَمِعْتُم النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري (رقم:٦٠٨)، وصحيح مسلم (رقم:٣٨٩) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٦١١)، وصحيح مسلم (رقم:٣٨٣) .
[ ٣٣ ]
وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إِذا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مِنْ قَلْبهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ" ١.
وهذا فيه فضلُ سماع النِّداء وترديد كلماته مع المؤذن، بأن يقول مثلَ قوله في جميع الكلمات إلاَّ قوله: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله؛ لأنَّ قوله: حيَّ على الصلاة
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٣٨٥) .
[ ٣٤ ]
دعوةٌ للناس للمجيء لأداء الصلاة، وقوله: حيَّ على الفلاح دعوةٌ لهم للمجيء لتحصيل ثوابها، وفي قول المسلم عند سماع ذلك "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله" طلب للعون من الله في تحقيق ذلك.
ثم قوله ﷺ: "من قلبه" فيه دلالة على اشتراط الإخلاص؛ لأنَّه أصلٌ لا بدَّ منه في قبول الأعمال والأقوال.
ومن السُّنَّة أن يقول المسلم عقِب سماعه للشهادتين: وأنا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللهِ رَبًّا وَبمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبالإِسْلاَمِ دِينًا؛ لِما روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللهِ رَبًّا وَبمُحَمَّدٍ
[ ٣٥ ]
رَسُولًا، وَبالإِسْلاَمِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ" ١.
ورواه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، قال: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَضِيتُ باللهِ " الحديث، وهو صريحٌ في أنَّ السَّامعَ يقول ذلك بعد جواب المؤذِّن على الشهادتين، يقوله مرَّة واحدة٢.
ويُستحبُّ للمسلم بعد انتهاء الأذان أن يُصلِّي على رسول الله ﷺ وأن يسأل اللهَ له الوسيلة، ومن سأل له الوسيلة حلَّت له الشفاعة، ففي صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄: أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: "إِذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٣٨٦) . ٢ انظر: تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد (ص:٣٧١) .
[ ٣٦ ]
الوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ" ١.
وأفضلُ صيغ الصلاة عليه هي الصلاةُ الإبراهيميَّة التي علّمها النَّبيُّ ﷺ أمَّته بأن يقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
وروى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ" ٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٣٨٤) . ٢ صحيح البخاري (رقم:٦١٤) .
[ ٣٧ ]
ثمَّ إنَّ للمسلم بعد ذلك أن يدعو اللَه لنفسه بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، فإنَّ هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء، فقد روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ المؤذِّنين يفضلونَنا؟ فقال رسول الله ﷺ: "قُلْ كما يَقولونَ، فإذا انتهيتَ فسَلْ تُعْطَه" ١.
وروى أيضًا عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لاَ يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ" ٢.
فهذا جملةُ ما ورد في هذا الباب، وليحذر المسلمُ أشدَّ الحذر مِمَّا أحدثه الناسُ مِمَّا لَم تثبت به سُنَّة ولم يقُم عليه دليل، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٥٢٤)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٤٤٠٣) . ٢ سنن أبي داود (رقم:٥٢١)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (رقم:٣٤٠٨) .
[ ٣٨ ]