لا نزال في الحديث عن الأذكار المتعلقة بالصلاة، خرج الإمام مسلم ﵀ في كتابه الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: "كَشَفَ رسولُ الله ﷺ السِّتَارَةَ والنَّاسُ صفوفٌ خلفَ أبي بكر ﵁ فقال: أيُّها الناس إنَّه لَم يَبْقَ من مُبَشِّرات النُّبُوَة إلاَّ الرؤيا الصالحَة يراها المسلمُ أو تُرَى له، ألاَ وإنِّي نُهيتُ أن أقرأَ القرآنَ راكعًا، فأمَّا الركوع فعظِّموا فيه الرَّبَّ ﷿، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدوا في الدُّعاء فقَمِنٌ أن يُستجابَ لَكم" ١.
فقد أوضح النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث ما يَختَصُّ به هذان الرُّكنان العظيمان؛ الركوع والسجود من ذكر يُناسب هيئتَهما بعد ذكره للنهي عن قراءة القرآن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٧٩) .
[ ٧٣ ]
فيهما؛ لأنَّهما حالتَا ذلٍّ وخضوع وتطامن وانخفاض، فأمَّا الركوعُ وهو حال انخفاض وتطامن وخضوع، فيُشرع للمسلم فيه أن يَذكر عظمةَ ربِّه، وأنَّه سبحانه العظيم الذي له جميع معاني العظمة والجلال، كالقوَّة والعزَّة وكمال القدرة وسعة العلم وكمال المجد وغيرها من أوصاف العظمة والكبرياء، وأنَّه لا يَستحق أحدٌ التعظيمَ والتكبيرَ والإجلالَ والتمجيدَ غيره، فيَستحق على العباد أن يُعظِّموه بقلوبهم وألسنتِهم وأعمالهم.
قال ابن القيم ﵀: "فأفضل ما يقول الراكع على الإطلاق سبحان ربي العظيم، فإن الله سبحانه أمر العباد بذلك وعين المبلغ عنه السفير بينه وبين عباده هذا المحل لهذا الذكر لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ١، قال: (اجعلوها في ركوعكم) وبالجملة فسِرُّ الركوع تعظيمُ الرب ﷻ
_________________
(١) ١ سورة: الواقعة، الآية (٧٤) .
[ ٧٤ ]
بالقلب والقالب والقول؛ ولهذا قال النَّبيّ ﷺ: (أما الركوع فعظِّموا فيه الرب") ١. اهـ كلامه ﵀.
وأما السجود - وهو حال قرب من الله، وخضوع له، وتذلل بين يديه، وانكسار له سبحانه - فيُشرع للمسلم فيه أن يُكثرَ من الدعاء، والدعاءُ في هذا المحل أقربُ إلى الإجابة، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَقرَبُ ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثروا الدُّعاء"، وفي الحديث المتقدم قال ﵊: " وأما السُّجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يُسْتجابَ لكم"، أي: حَريٌّ وجَدير أن يُستجاب لكم؛ لأنَّ العبدَ أقربُ ما يكون من ربِّه وهو ساجد، وأفضلُ الأحوال له حالٌ يكون فيها أقربَ إلى الله، ولهذا كان الدعاء في هذا المحلِّ أقربَ إلى الإجابة، ومن الأدعيةِ
_________________
(١) ١ كتاب الصلاة (ص:١٧٦) .
[ ٧٥ ]
المأثورة عن النَّبيِّ ﷺ في السجود ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂، قالت: "فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ الفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعُوذ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذ بكَ مِنْكَ، لاَ أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" ١.
وقد دلَّ هذا الحديثُ العظيمُ على أنَّه لا مَفَرَّ إلاَّ إلى الله، ولا مَلجَأَ منه إلاَّ إليه، فأزمَّةُ الأمور كلُّها بيده، ونواصي العباد معقودةٌ بقضائه وقدَره، الأمرُ كلُّه له، والحمدُ كلُّه له، والمُلك كلُّه له، والخيرُ كلُّه في يديه، فمنه تعالى المَنْجَى، وإليه المَلْجَأ، وبها الاستعاذة من شر ما هو كائن بمشيئته وقدرته، فالإعاذة فعله والمستعاذ منه فعله أو مفعوله الذي خلقه بمشيئته، وهذا كلُّه
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٨٦) .
[ ٧٦ ]
تحقيقٌ للتوحيد والقدر، وأنه لا ربَّ غيره، ولا خالق سواه، ولا يملك المخلوق لنفسه ولا لغيره ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، بل الأمر كلُّه لله، ليس لأحد سواه منه شيء.
وقوله في ختام هذا الدعاء: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" فيه الاعترافُ بأنَّ شأنَ الله سبحانه وعظمتَه وكمالَ أسمائه وصفاته أعظمُ وأجَلُّ من أن يُحصيها أحدٌ من الخلق، أو يبلغ أحد حقيقةَ الثناء عليه غيره سبحانه.
ومن أدعية السجود كذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، أَوَّلَهَ وَآخِرَهُ، وَعَلاَنِيَتَهُ وَسِرَّهُ" ١.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم (رقم:٤٨٣) .
[ ٧٧ ]
وقوله: "ذنبي كله" أي: ذنوبي جميعَها، فإنَّ المُفرد إذا أضيف يَعُمُّ، ثم إنَّ هذا التعميم والشمولَ في هذا الدعاء ليأتي طلب الغفران على جميع ذنوب العبد ما علمه منها وما لَم يعلمه، لا سيما والمقامُ مقام دعاء وتضرع وإظهار العبودية والافتقار، فناسب ذكرَ الأنواع التي يتوب العبد منها تفصيلًا؛ ولهذا قال: "دقَّه وجلَّه، أوَّلَه وآخرَه، وعلانيتَه وسرَّه" وهذا أبلغُ وأحسنُ من الإيجاز والاختصار.
ثمَّ إنَّ بين السَّجدَتين ركنًا لا بدَّ منه في الصلاة، وهو الجلسة بين السجدتين، وقد شُرع فيه من الدعاء ما يليق به ويُناسبه، وهو سؤالُ العبد المغفرةَ والرحمةَ والهدايةَ والعافيةَ والرِّزقَ؛ فإنَّ هذه الأمور تتضمَّن جلب خيري الدنيا والآخرة، ودفع الشرور فيهما.
فعن حذيفة ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي" رواه
[ ٧٨ ]
أبو داود١.
أي: أنَّه ﷺ يُكرِّرُ هذا الدعاء بين السجدتين، لا أنَّه يقوله مرتين فقط.
وعن ابن عباس ﵄ قال: "كَانَ النَبيُّ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاجْبُرْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي" رواه أبو داود والترمذي٢.
وسؤالُ المغفرة فيه الوقاية من شَرِّ الذنوب، وسؤالُ الرَّحمة فيه تَحصيلُ الخير والبرِّ والإحسان، وسؤال الله أن يَجْبُرَه فيه سدُّ حاجته، وجَبْرُ كسره، وأن يرد عليه ما ذهب من الخير وأن يعوضه، وسؤال
_________________
(١) ١ سنن أبي داود (رقم:٨٧٤)، وصحَّحه العلاَّمة الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (رقم:٧٧٧) . ٢ سنن أبي داود (رقم:٨٥٠)، وسنن الترمذي (رقم:٢٨٤)، وصحَّحه الألباني ﵀ في صحيح أبي داود (رقم:٧٥٦) .
[ ٧٩ ]
العافية فيه السلامة من الآفات والفتن والنجاة من البلايا والمحن، وسؤال الهداية فيه التوصل إلى أبواب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، وسؤال الرزق فيه نيل ما به قَوام البدن من الطعام والشراب، وما به قوام الروح من العلم والإيمان.
فجاء هذا الدعاء العظيم المشروع في هذه الجلسة جامعًا لأصول السعادة محيطًا بأبواب الخير، مشتملًا على سُبُل الفلاح في الدنيا والآخرة، فما أعظمَه من دعاء، وما أحسنَ إحاطته وجمعه.
[ ٨٠ ]