وإذا كان عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه حقوق يخشى أن تضيع على أصحابها بموته يجب عليه أن يوصي بذلك حتى لا يؤاخذه الله بها، وكذا له أن يوصي بالعهد إلى من ينظر في شأن أولاده الصغار إلى بلوغهم.
العاشر: أن يستحضر أن هذا اليوم أو هذه الليلة قد يكون آخر عهده بالحياة، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (١٨٥) سورة الأعراف، وقد رُوِيَ عنه ﷺ أنه قال: " أكثروا ذِكْرَ هادِمِ اللذات الموت، فإنه لم يذكره أحدٌ في ضِيق من العيش إلا وسَّعه عليه، ولا ذكره في سَعَةٍ إلا ضَيَّقَها عليه ".
[ ٣٧ ]
وقال ﷺ: «أتاني جبريل، فقال: يا محمد عش ما شئت، فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مَجْزِيٌ به» الحديث.
وعن ابن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعُدَّ نفسك في أصحاب القبور ")، وكان ابن عمر يقول: " إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.
نموتُ ونحيا كلَّ يوم وليلة ولا بد من يوم نموتُ ولا نحيا.
[ ٣٨ ]
وسُئل بعض الصالحين: كيف أصبحت؟ فقال: " أصبحت وبنا من نعم الله ما لا يُحصى، مع كثير ما يُعْصَى، فلا ندري على ما نشكر:
على جميل ما نَشَر، أو على قبيح ما ستَر ".
وقال آخر: " أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أعظم: ذنوب سترها الله عليَّ، فلا يقدر أن يُعَيِّرَني بها أحد، ومحبة قذفها الله في قلوب الخلق، لا يبلغها عملي ".
وقال ثالث: " أصبحنا أضيافًا منحين بأرض غربة ننتظر متى نُدعى فنجيب؟ ".
[ ٣٩ ]
وقال المزني: " دخلتُ على الشافعي في عِلَّته التِي مات فيها، فقلتُ: كيف أصبحتَ؟ فقال: أصبحتُ من الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء الأعمال ملاقيًا، وعلى الله واردً، فلا أدري: أروحي تصير إلى الجنة فأحيِّيها؟! أم إلى النار فأُعَزِّيها؟! ".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٤٠ ]