لا بد أيها الأحبة في الله من تحديد الأهداف المطلوبة وراء هذا العمل العظيم؛ لأن معرفة الأهداف وتحديدها يجعل النفس تتشرف لها وتتطلع إليها دومًا وتحرص على تحصيلها .. وهي كثيرة:
(١) تطبيق مفهوم العبادة بصورتها الكلية:
يؤصل الاعتكاف في نفس المعتكف مفهوم العبودية الحقة لله -﷿-، ويدرِّبه على هذا الأمر العظيم الذي من أجله خلق الإنسان؛ إذ يقول بالحق ﵎: (﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، حيث إن المعتكف قد وهب نفسَه كلَّها ووقته كله متعبدا لله -﷿-، فالإنسان كثيرًا ما يضيع أوقاتًا ثمينة، قضاها في أمورٍ مُباحة دون أن ينويَ بها طاعة الله -﷿-، وفي هذا المدار تسير حياته، ويعيش كثيرًا من ساعات الغفلة
[ ٢٤١ ]
وخاصة في زمننا المعاصر الذي كثرت فيه المغريات والصوارف عن طاعة الله.
فالمعتكف بَادِئَ ذِي بَدْء نجد أنه ينوي الاعتكاف مخلصًا لله -﷿-، ويبدأ ذلك بلزومه المسجد من أجل طاعة ربه، ويكون شغله الشاغل في زمن الاعتكاف هو مرضاة الله -﷿-، فهو يشغل بدنَه وحواسَّه ووقته من أجل هذا الأمر، بالصلاة من فرض ونفل، وبالدعاء، والذكر وقراءة القرآن، وغيرها، ويبتعد في نفس الوقت عن صوارف هذه الطاعة، فيبتعد عن مجالس الكلام المباح، وإن تكلم مع أخيه ففي حدود الحاجة وفي مدار طاعة الله -﷿-.
وبذلك يتحقق في واقعه مفهوم العبادة لله -﷿- التي عرفها شيخ الإِسلام ابن تيمية عليه رحمة الله بقوله: العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة، والصيام، والحج، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم، والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين أو البهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحُكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك من العبادة لله. اهـ.
وبهذه الدُّرْبة في مثل أيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك يتربى المعتكف على كيفية تطبيق مفهوم العبودية لله -﷿- في حياته العامة والخاصة، ويضع موضع التطبيق قول الحق ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
[ ٢٤٢ ]
وبعد انقطاع وقت الاعتكاف يجتهد المعتكف قدر استطاعته ليجعل حياته الخاصة والعامة في دائرة العبادة، ولم يفطن كثيرٌ من الناس أن النية هي المحوِّل العجيب، إلا أنها لا تحوِّل الجماد إلى نوع آخر من الجماد؛ ولكنها تحول العبادة العادية التي تضمحل وتزول بمجرد الانتهاء منها إلى أعمال باقية خالدة؛ فالطعام والشراب والنكاح كل ذلك زائل ذاهب، فإذا قصد العبد به نيةً صالحة؛ كأن ينوي التقوِّي بالطعام والشراب على طاعة الله، وكأن يعف نفسه عن الزنا بالنكاح، ويطلب الولد الصالح الذي يعبد الله ويجاهد في سبيله؛ فإن هذه الأعمال تتحول إلى أعمال باقية صالحة.
وبهذا التوجه في النفس الإنسانية المسلمة تستقيم هذه النفس في حياته كلها، وإذا كثر عدد الأفراد من هذه النوعية في أي مجتمع إسلامي استقام ذلك المجتمع أيضًا.
(٢) تحري ليلة القدر:
يكدح الإنسان في حياته من رمضان إلى رمضان اثني عشر شهرًا بأيامها ولياليها، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانش قال: ٦] ويبقى الإنسان المسلم في عملية أخذ وعطاء في ميدان الطاعة والمعصية، ويغفل القلب في كثيرٍ من الأحيان عن ميدان الطاعة، وتتفلت الجوارح في الخطايا، وتتكاثر الذنوب على كأهل هذا الإنسان من حيث يدري ومن حيث لا يدري، وفي واقع الإنسان المسلم الحصيف نجده مستغفرًا منيبًا إلى الله عند درايته بوقوعه في المعصية والخطأ، وهذه من سمة الإنسان؛ لقوله - ﷺ -: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" (١). فتدوم توبة الحصيف ويضيع الكثير على الغافل.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٩٨)، وحسنه الألباني (٤٥١٥) في "صحيح الجامع".
[ ٢٤٣ ]
وتبقى بذلك الخطايا التي لم يعلم بها، ولكن هذا الواقع لا يتوافر في حياة الكثير من مسلمي اليوم، الذين يعيشون في عصرٍ سمته الغفلة عن مرضاة الله -﷿-؛ وذلك لكثرة صوراف وشواغل الدنيا، وكثرة المُلْهِيَّات والمنكرات، التي أصبحت في عرف هذا العصر من المعروف، كل هذا يستوجب على الإنسان تحَيُّن الفرص التي يقف فيها لمحاسبة نفسه، والتخلص قدر الاستطاعة من تراكم الذنوب.
ومن رحمة الله -﷿- بالإنسان المسلم أن أوجد له مواسم للطاعات يتقرب فيها الإنسان إلى ربه -﷿-، وتحط عنه من خلال هذا التقرب تلك الخطايا والمعاصي، ومن هذه المواسم شهر رمضان، وأخص ما في هذا الشهر ليلة القدر، إذ يقول الرسول الكريم - ﷺ -: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١).
ففي الاعتكاف فرصة دورية للمعتكف لمراجعة حياته السابقة، وتأمُّل ما عمل فيها من سوء، وعقد النية على عدم الرجوع إليه، والتوبة والندم عليه، والتضرع إلى الله العلي القدير أن يعفو عنه ويغفر له، وخاصةً في ليلة القدر، وأولى الناس بشهود ليلة القدر من بداية وقتها وحتى انتهائه هو المعتكف؛ لأنك تجده قابعًا في المسجد في ذلك الوقت ذاكرًا لله في جميع أحراله بمختلف أنواع الذكر متحريًا هذه الليلة المباركة.
وشعور الإنسان المسلم بمغفرة الله -﷿-، وأنه قد تخفف من كثيرٍ من الذنوب التي أزيحت عن كاهله يعطيه نوعًا من الدافعية للانطلاق في طاعة الله -﷿-، ومرضاته في أعماله المختلفة، لكسب المؤيد من الحسنات التي تثقل موازينه يوم العرض على الله -﷿-.
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٣٥)، مسلم (٧٦٠).
[ ٢٤٤ ]
(٣) تعوُّد المكث في المسجد:
في الاعتكاف تدريب وتربية للنفس على تعود المكث في المساجد، الذي له أهميته في حياة الإنسان المسلم؛ فالمعتكف قد ألزم نفسه البقاء في المسجد مدة معينة، وفي شهر رمضان عادةً ما تكون ما بين تسع إلى عشر ليال يقضي وقته كله في مرضاة الله -﷿-، وقد لا تَقبل النفس الإنسانية مثل هذا القيد في بداية الاعتكاف؛ ولكن عدم القبول هذا عادةً ما يتبدد سريعًا لما تلقاه النفس المسلمة من راحة وطمأنينة في بقائها في بيت الله.
ومعرفة المعتكف بأهمية بقائه في المسجد أثناء اعتكافه، وبالتالي المبادرة إلى المسجد قبل الأذان أو بعده بعد رمضان، يجعله يحرص على هذا الأمر في حياته بصورة مستمرة لأهميته التي تتجلى في الأمور التالية:
١ - رجل تعلق قلبه بالمساجد:
أن الرجل الذي يمكث في المسجد قد أحب المسجد من قلبه، وذلك الحب يجعله من الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ففي الحديث: "ورجل قلبه معلق بالمساجد" (١).
٢ - فضيلة المكث في المسجد:
أن الذي يمكث في المسجد ينتظر الصلاة له أجرُ صلاة، وأن الملائكة تستغفر له مادام في مُصَلَّاه ولم يُحْدِث. قال رسول الله ﷺ: "صلاة في إثر صلاة لا لغو بينهما كتابٌ في عليين" (٢).
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (١٣٥٧)، مسلم (١٠٣١).
(٢) أخرجه أبو دواد (٢/ ٢٧)، وحسنه الألباني (١٢٨٨) في "صحيح أبي داود".
[ ٢٤٥ ]
٣ - فرح الله بالعبد:
فرح الله -﷿- باتخاذ المؤمنِ المسجدَ موطنًا يَقصد اللهَ فيه ويذكره، وهذه من النعم الجليلة من الله الجليل -﷿- على هذا العبد الفقير، ففي الحديث أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما توطن رجلٌ مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبشَ الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم" (١).
الله أكبر!، لك أن تتصور من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل تبشبش الله لك حال قدومك إليه وإقبالك عليه.
ومعرفة هذه الفضائل ضرورية بالدرجة الأولى للمعتكف؛ إذ أنها تعطيه دافعًا للاستمرار في اعتكافه بجدٍّ واجتهاد في طلب رضا الله -﷿-؛ حتى تستمر له هذه الحسنات والأجور.
(٤) البعد عن الترف المادي:
فُتحت الدنيا على كثيرٍ من مسلمي اليوم، وتوفرت وسائل الراحة المختلفة التي كلما أَخلد إليها الإنسان ازداد في طلبها، وبذلك عملت وسائل الراحة هذه في زيادة الغفلة في حياة المسلم، ويشعر في كثيرٍ من الأحيان أن وسائل العيش المترف أمرٌ أساسي في حياته لا يستطيع أن يتخلى عنه.
ولنا في رسول الله - ﷺ - أسوةٌ حسنة، إذ كان راضيًا من الدنيا بالكَفَاف، وهو الذي كان يعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفقر، ويتمتع بالطيبات متى تيسرت من غير سَرَفٍ ولا مخِيلَة؛ ليوضح لأمته حقيقة الزهد لتستَنَّ به فيه؛ لأنه إمام الزاهدين وقدوة المؤمنين ورحمة الله للعالمين.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٨)، وحسنه الألباني (٥٦٠٤).
[ ٢٤٦ ]
ففي عِيْشِهِ - ﷺ - تقول عائشة - ﵂ -: "ما شَبعَ آلُ محمدِ منذ قدم المدينة من طعام بُرٍّ ثلاث ليال تِباعًا حتى قبض" (١).
وفي إدامه يقول جابر - ﵁ -: إن رسول الله - ﷺ - سأل أهله الأُدْمَ فقالوا: ما عندنا إلا خَلّ، فدعا به فجعل يأكل ويقول: "نعم الأدم الخل، نعم الأدم الخل" (٢).
وفي مسكنه في حديث عمر الطويل، يقول عمر: "فدخلت عليه، فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثرَ الرمال بجنبه، متكئٌ على وِسادة من أَدَمِ حشوها لِيف " (٣).
فهذا واقعُ خير خلق الله -﷿- في هذه الدنيا، وهذا موقفه من وسائل العيش التي جعلت الكثير منا -إلا من رحم الله- يتمادى في طلبها بصورة تزيده غفلةً عن طاعة الله -﷿- ويبيع دينه من أجلها.
وفي الاعتكاف يتخفف المعتكف من هذه الأمور، فيعرف قيمتها الحقيقية وأنها لا أهمية لها ويصبح كأنه إنسان غريب في هذه الدنيا، فهو من أجل مرضاة الله -﷿- ارتضى أن يقبع في ناحيةٍ من المسجد ليس لديه في الغالب إلا وسادة يضع عليها رأسه وغطاء يتغطى به، فراشه هو فراش المسجد؛ فهو قد ترك فراشه الوثير وعاداته الخاصة من أجل ذلك الرِّضَى.
وكذلك طعامه، فهو عادةً لا يُؤتَى إليه بالكثير من الطعام، فيأكل كما يأكل الغريب، ويأكل كما يأكل العبد الفقير إلى ربه.
وبهذا يتربى الفرد على حقيقةٍ لها أصالتها في التربية الإِسلامية، وهي أن
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٥١٠٠)، مسلم (٢٩٧٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٠٥٢).
(٣) متفق عليه، البخاري (٤٦٢٩)، مسلم (١٤٧٩).
[ ٢٤٧ ]
الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنها دار ممر وعبور إلى حياةٍ أخرى. سرمدية خالدة، يجب أن يعمل لها الإنسان جُلَّ وقته من خلال تعامله مع هذه الحياة الفانية، فيترفع عن التعلق بالكثير من الأمور المعاشية، التي كانت تشغل باله في السابق عن مرضاة الله -﷿-.
(٥) الإقلاع عن كثير من العادات الضارة:
في ظل غياب مفهوم التربية الإِسلامية في كثير من المجتمعات الإِسلامية، نشأت لدى أفراد هذه المجتمعات كثيرٌ من المعاصي المنتشرة التي استهان بها الناس، ومنها: التدخين، وسماع الموسيقى والأغاني، ومشاهدة ما يُبَثُّ في الفضائيات من أحاديث تخدش عقيدة المسلم، ومن مناظر تعمل على هدم أساسيات الأخلاق الإِسلامية.
فيتعرف الإنسان المسلم في فترة الاعتكاف، وقد خلا إلى خالقه، على مفهوم العبادة بصورتها الشاملة، وأنه يجب أن يكون متعبدًا لله -﷿- على مدار الساعة في حياته العامة والخاصة، وأن يبتغي مرضاة الله -﷿- في كل حين فشغله بالطاعة انشغال عن المعصية، وهذه المعرفة لمفهوم العبادة تجعله يقف على زيف لذة هذه المعصي السيئة، فهو عندما يتخذ حب ومرضاة الله -﷿- كميزان يزن به كل عمل يقوم به؛ يجد أن تلك المعاصي لا تتفق مع هذه المحبة لله -﷿-، بل تعمل في اتجاهٍ معاكس لها، ويجد بذلك أن مثل تلك المعاصي تخرجه من دائرة العبودية الصادقة لله؛ وإذا كان الأمر كذلك فيجب عليه أن يتخلص منها في أسرع وقتٍ ممكن.
فالمسلم العاقل الذي أخلص نيته لله -﷿- في اعتكافه يحرص كل الحرص على سلامة وكمال طاعته وعبادته لله -﷿-؛ فإذا كان قد ابتلي بشيء من هذه المعاصي؛ فالاعتكاف فرصة سنوية يستطيع فيها المعتكف أن
[ ٢٤٨ ]
يتخلص من هذه البلايا عن طريق التوبة والالتجاء إلى الله -﷿- أولًا، وعن طريق فطام النفس عن تلك البلايا في فترة الاعتكاف، وعدم تحقيق رغبة النفس منها وتعويدها على ذلك، وفي هذا كله تربيةٌ للنفس على القدرة على التخلص من كثيرِ من العادات التي لا تُرضي الله -﷿- فضلًا عن المعاصي والذنوب.
(٦) حفظ اللسان والجوارح عما لا ينفع الإنسان:
يُستحب للمعتكف أن يشتغل بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله وما إليها من القربات، وعليه أن يُنَزِّه اعتكافه عما لا يَعنيه من الأقوال والأفعال، وأن يتجنب الجِدال والمِراء والسِّباب، فهذه الأمور تُكره لغير المعتكف، فمنهُ أشدُّ كراهة، ولا بأس أن يتكلم بما فيه حاجته ومصلحته مما لا إثم فيه.
ومن أطلق عَذَبَةَ اللسان، وأهمله مَرْخِيَّ اْلعَنَان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله.
وغض البصر أيضًا من الأمور التي أمر الإِسلام بها، فينبغي على المعتكف ألا يستخدم بصره إلا في أمور الطاعة من قراءة قرآن، وطلب علم، وتدبر، وتأمل في ملكوت الحق ﵎، وهو بذلك ممتثلٌ لأمر الله -﷿- في حالته هذه في مقامه بالمسجد الذي قد يرتاده النساء، كما هو الحال في المسجد الحرام، أو في حالة خروجه لحاجاته المختلفة إلى خارج المسجد.
وكذلك بقية الجوارح لا يستخدمها إلا في طاعة الله -﷿-، حتى القلب والفكر لا يجوز استخدامهما في تمني أمور لا تُرضي الله -﷿-.
[ ٢٤٩ ]
(٧) التفكر في آلاء الله -﷿-:
في عصر الغفلة الذي نعيشه، وسعي الإنسان الحثيث وراء متطلبات الحياة المادية؛ تقل الفرص التي تتيح للإنسان المسلم إعمال العقل والفكر في مجال الآيات الكونية والشرعية.
وفي فترة الاعتكاف تصفو النفس المسلمة في اتصالها بخالقها، وينفض الإنسان يديه من مشاغل الحياة الدنيا، ويتفرغ لما يُرضي الحق ﵎، وتُتاح له الفرصة تِلْوَ الفرصة للقيام بعمليات التفكر والتدبر، وذلك من جراء الوقت الفسيح الذي يعيشه المعتكف، وقد أخلى قلبه من كل شيء إلا الله -﷿-، فلو تفكر المعتكف في أمر كُلٍّ من الصيام والاعتكاف فقط؛ لعرف ووقف على كثيرٍ من الحِكَم التي تقف وراءهما، ولارتفع مؤشرُ الإيمان لديه.
(٨) الصبر وقوة الإرادة:
في واقع الاعتكاف يتعرض الإنسان المسلم إلى مواقف متعددة هي بمثابة تمرين عملي للعبد على الصبر، فعلى سبيل المثال:
* هناك صبر على طاعة الله -﷿-، فهو أمرٌ لم يكن المعتكف معتادًا عليه في حياة ما قبل الاعتكاف، وهو الآن بعيد تمامًا عن أي صوارف تصرفه عن هذه الطاعة، وهذه الطاعة المستمرة لله -﷿- تحتاج إلى صبرٍ مستمر من قِبَل المعتكف، وفي هذا تربية للإرادة وكبحٌ لجماح النفس التي عادةً ما ترغب في التفلت من هذه الطاعة إلى أمور أخرى تهواها.
* وهناك الصبر على ما نقص مما ألفت عليه النفس من أنواع الطعام مثلًا.
* وهناك الصبر على نوع الفراش الذي ينام عليه؛ فليس بالإمكان أن يوضع له سرير في المسجد.
[ ٢٥٠ ]
* وهناك الصبر على ما يجد في المسجد من مزاحمة الآخرين له، ومن عدم توفر الهدوء الذي كان يألفه في منزله إذا أراد النوم.
* وهناك الصبر على الزوجة إذ يُحَرَّم عليه مباشراها عند دخوله إلى منزله للحاجة وهي حلاله، وفي هذا الأمر تتجلى قيمة الصبر وقيمة القوة في الإرادة وضبط النفس.
(٩) الاطمئنان النفسي:
إن ذكر الله -﷿- بعموميته جالبٌ لطمأنينة النفس لا محالة، وتتأكد الطمأنينة في واقع المعتكف بصورةٍ أساسية؛ لأن حياته في معتكفه تدور حول هذا الأمر بطريقةٍ مستمرة، فصحوته ذكر، ومنامه ذكر، وطعامه ذكر، وحركاته وسكناته كلها ذكر، وهنا تشرق على نفسه طمأنينة لم يكن يعهدها في حياته قبل الاعتكاف؛ لأنه رَكَنَ واستكان إلى جنب الله، فهو ضيفٌ على الله في بيتٍ من بيوته، وقد يتساءل عن سر تلك الطمأنينة ومصدرها، فيجد الإجابة تبرز من ثنايا أعماله التي يقوم بها في اعتكافه، والتي منها على سبيل المثال:
* الصلاة: لقاء مباشر مع خالقه .. يناجيه .. فيسمعه الله -﷿- .. يدعوه في سجوده .. فيستجيب له، فتطمئن النفس إلى هذا اللقاء وتُكْثِر منه.
* قراءة القرآن: وهو ذكر الله الذي أنزله على رسوله - ﷺ -، به طمأنينة قلوب المؤمنين، فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن، فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه من شَكِّهِ، والقرآن هو المحصِّل لليقين، الدافع للشكوك والظنون والأوهام، فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به.
[ ٢٥١ ]
* الذكر المقيَّد والمطلَق: من تهليل وتحميد وتسبيح وتكبير .. وفي استمرارية المعتكف في هذا النوع من الذكر كل أوقاته مَدعاةٌ وسببٌ لحصول الأمان والاطمئنان النفسي.
يقول ابن القيم: إن ذكر الله -﷿- يُذْهِب من القلب مخاوفه كُلَّها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله -﷿-، إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كان المخاوف التي يجدها أمانٌ له، والغافل خائفٌ مع أمنه، حتى كأن ما هو فيه من الأمن كُلُّه مخاوف، ومن له أدنى حِسّ قد جَرَّبَ هذا، هذا والله المستعان.
(١٠) تلاوة القرآن الكريم:
إن معرفة المعتكف بفضائل قراءة القرآن الكريم، والعمل به، وختمه مرة تلو الأخرى، هي تربية على الحرص على تعلم القراءة السليمة للقرآن الكريم، وعلى الحرص كذلك على المداومة على قراءته، وتخصيص ورد يومي يحرص كل الحرص على قراءته، وبذلك يسعد في دنياه وآخرته.
(١١) التوبة النصوح:
في حياة المعتكف نجد أن هناك أمورًا عدة تحثه على التوبة النصوح من كل معاصيه، منها: * أن القلب قد توجه بكليته إلى الله -﷿-، وأن الصلة بين هذا الإنسان وخالقه اتسمت بالاستمرارية على مدار اليوم والليلة في أيامٍ وليالٍ متوالية، وحريٌّ بالإنسان المسلم أن يستثمر هذه الصلة بالتوبة والندم والاستغفار؛ وذلك لقربه من الله -﷿-.
[ ٢٥٢ ]
* أن هناك مجالًا للتفكر والتأمل في حياته: كيف هي من تطبيق شرع الله -﷿-؟، وما جوانب النقص في هذا التطبيق؟، وما الأسباب التي أن إلى وجود هذا النقص؟، ومن خلال هذا التأمل تظهر خطايا ومعاصي هذا الإنسان، ومن خلال التأمل يأتي الإقرار والاعتراف من جانبه بهذه الذنوب والمعاصي، ويدفعه ذلك إلى المبادرة بالتوبة والنية والعزم على عدم العودة إليها.
* أن المعتكف يحيا بواقعيته شهر المغفرة والتوبة والعتق من النار، وفي هذا دافعٌ حقيقي للتوبة النصوح.
* استشعار مرضاة الله -﷿- والثقة فيه بأن يغفر الذنوب جميعًا؛ يورِّث النفس طمأنينةً واستقرارًا، ويدفعها إلى الاستمرارية في العمل الصالح، وابتغاء مرضاة الله في كل حين، والمسارعة إلى التوبة والاستغفار كلما بدا منه ذنب أو خطأ أو تقصير، وبذلك تصلح حياته.
(١٢) التعود على قيام الليل:
المعتكف يبتغي مرضاة الله -﷿- من اعتكافه وقيام الليل، وخاصةً في العشر الأواخر من رمضان، من صلاة التراويح والتهجد، وبذل جهده فيما يزيده رضًا من الله -﷿-.
ومن خلال قيام الليل يتربى المعتكف على حسن الوقوف بين يدي الله -﷿- بنفسٍ صافية، وروحٍ موصولة بالله -﷿-، يتربى على حسن المناجاة، ويقف على هذه اللذة، وهو موقنٌ بأن الله -﷿- قريبٌ منه ..
يراه .. يسمعه .. يستجيب له.
وهذا كله يعطى للإنسان دفعةً قوية للمواظبة على قيام الليل، وحريٌّ بمن
[ ٢٥٣ ]
تعوَّد على لذة مناجاة خالقه في أوقات السَّحَر، والذي يعتبر من أثمن الأوقات في حياة المسلم، واليقين بأن الله -﷿- يراه ويسمعه، حريٌّ به ألا تفوته ليلة من ليالي عمره القصير إلا وقد تلذذ بتلك المناجاة، وأعز نفسه بالالتجاء الحق إلى بارئه.
(١٣) عمارة الوقت:
يقول ابن القيم -عليه رحمة الله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمرُّ مَرَّ السَّحَاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته، وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهر والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموتُ هذا خيرٌ له من حياته" اهـ.
والمعتكف قد عمل جهده وحَرِصَ على إنفاق وقته كله في طاعة الله -﷿- ومرضاته، وعمل أيضًا على تنظيم وقته، وتعود في فترة اعتكافه على ذلك التقسيم؛ فاستفاد من كل دقيقة في مرضاة الله؛ وهو بذلك قد وقف على قيمة الوقت وحقيقته، فتربى في هذه الفترة الزمنية القصيرة على كيفية استغلال الوقت بصورةٍ سليمة؛ مما يتوقع أن يكون له أثره في حياته بعد الاعتكاف.
(١٤) القرب من الله -﷿-، ومحبته ﵎ للعبد:
فالمعتكف قد ابتعد عن الخلق، وأدى ما افترضه الله عليه من صيامٍ وصلاةٍ وزكاة، وتقرب إلى الله -﷿- بنوافلَ شتى من اعتكافِ وصلاةٍ وقراءةِ قرآن وذكرٍ وتفكرٍ وتأملٍ وغير ذلك، واعتادت النفس أداء هذه النوافل، فمن طريق هذا القرب من العبد لربه، وبعده عن الخلق، يأتي تبادل المحبة بين العبد وخالقه -﷿-، وهذا فضلٌ من الله -﷿- في رفع درجة المعتكف عنده
[ ٢٥٤ ]
﵎، فهذا وعده سبحانه في الحديث القدسي قال: "لا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" (١).
وشعور المعتكف بهذه المحبة تجعله يعمل على المحافظة عليها في حياته بعد الاعتكاف؛ لأن محبة الله له أثمن ما يملك الإنسان في الدار الفانية، والدار الباقية، ولابد له من العمل على تنمية هذه المحبة عن طريق زيادة القرب من الله -﷿-؛ لأن العبد كلما إزداد تقربًا إلى الله -﷿- زاده الله قربًا منه، وأثابه على القليل من هذا التقرب بالأجر والثواب العظيم، فعن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربتُ إليه ذراعًا، وإن تقربَ إليَّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلة" (٢).
(١٥) تزكية النفس:
قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، والتزكية هي تطهير النفس، ورفع مكانتها عند الله -﷿-، بطاعته ﵎، والاعتكاف مَيدانٌ رئيسي في تطهير النفس، وعند استمرارية مفهوم التزكية من اعتكف في مرحلة ما بعد الاعتكاف، فيحرص دائمًا على تطهير النفس من كل أمرٍ ليس فيه رضي الله ﵎؛ فيكون ذلك عنوان فلاحه ونجاحه في دنياه وآخرته.
(١٦) صلاح القلب وجمعه على الله -﷿-:
وهذا مجْموعٌ فيه فضائل الاعتكاف كلها؛ إذ إن المعتكف إن أخلص النية
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١/ ٣٤٨، ٣٤٩).
(٢) متفق عليه، البخاري (٦٩٧٠)، مسلم (٢٦٧٥).
[ ٢٥٥ ]
في اعتكافه وحبس نفسه على طاعة الله، واشتغل بذكر مولاه، وابتغى بذلك رضاه، توجه القلب بكليته إلى خالقه يناجيه ويدعوه ويستغفره، ويفتقر إليه في كل شئونه، وفي هذا يقول ابن القيم:
"وشَرعَ لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه: عكوف القلب علي الله تعالى وجمعيته عليه، والخَلوة به، والانقطاج عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره وحبه والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته فيتولي عيليه بدلها، ويصير الهمُّ كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله بدلًا من أنسه بالخلق، فَيُعِدُّه بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حيث لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم" اهـ.
إنَّ الخَلوة والإنس بالله -﷿- التي يحياها المعتكف في معتكفه هي بمثابة تربية وتدريب له؛ لكي تستمر تلك الخَلوة والأنس بالله في حياته بعد الاعتكاف؛ حتى يتخلص في حياته العامة بعد ذلك من متعلقات النفس المادية، وتستمر تهيئة النفس للأنس بالله في وحشة القبور، وهذا يعني أن من فوائد الاعتكاف ما لا يقتصر على الدنيا؛ بل يتعداها إلى الحياة الآخرة، فالقبر أول منازل الآخرة.
(١٧) حقيقة اتباع ومحبة الرسول - ﷺ -:
اعتكف المعتكف اتباعًا للرسول واستمر في اعتكافه متابعًا لهدي النبي - ﷺ -.
فاتباع الرسول - ﷺ - في جميع أقواله وأعماله يؤدي إلى أمور أساسية يسعى إليها المعتكف، منها:
* محبة الإنسان لله -﷿-، وهذا مطلبٌ أساسي.
[ ٢٥٦ ]
* محبة الله -﷿- لهذا الإنسان، وهي نتيجة أساسية لاتباع الرسول - ﷺ -.
* غفران الذنوب من الله -﷿- لهذا الإنسان.
* ثم نتيجة تلقائية، وهي محبة الإنسان المسلم للرسول - ﷺ -، محبة فعلية والتي تأتي عن طريق الاتباع، فالمحب الحقيقي هو المتبع لجميع أعماله وأقواله من غير زيادة أو نقصان، ودرجة التكامل في محبة الرسول - ﷺ - هو التمسك بالسُّنَّة الواجبة والمستحبة على السواء؛ لأنها دليلٌ حقيقي على المحبة والاستكثار من الحسنات التي تأتي من طريق متابعة الإنسان المسلم لسلوكه - ﷺ - بصورة عامة.
قال ابن القيم -عليه رحمة الله: "لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفا على جمعيته على الله، ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثًا، ويشتته في كل واد، ويقطعه عن سيره إلى الله أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه.
اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.
فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع نفسه عن كُلِّ شاغلٍ يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه؛ فما بقي له هَمٌّ سوى الله وما يرضيه عنه" اهـ.
ولهذا ذهب الإِمام أحمد إمام السنة إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة
[ ٢٥٧ ]
الناس، حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن؛ بل الأفضل الانفراد بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه.
إذًا فمعنى الاعتكاف وحقيقته:
قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به؛ أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله بالكلية على كل حال. كان بعضهم لا يزال منفردًا في بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟، قال: كيف أستوحش وهو يقول: "أنا جليس من ذكرني".