أيها الأخوة، إننا بحاجة إلى تحديد الأهداف التي ندخل بها رمضان، ثم رسم الطريق لتحقيق هذه الأهداف، ثم وضع خطة للتقويم .. تقويم العمل، ثم متابعة تحصيل الثمار. إن الناس اليوم إذا أراد أحدهم أن يقوم بمشروع يستثمر فيه أمواله؛ فإنه قبل كل شيء لا بد أن يقوم بعمل دراسة جدوى، وقبل أن يجتمع المجتمعون في أي اجتماع ذي شأن لا بد أن يضعوا برنامج عمل أو جدول أعمال، هذا في عرف أهل الدنيا، هذا أصل عندهم، أفلا يكون هذا أصلًا عند أهل الآخرة، لا سيما وهم يطلبون أعلى شيء وهو الجنة؟!، فهم بهذا أولى.
نعم والله: أهل الآخرة أحق أن يقوموا بعمل دراسة جدوى لصيام
[ ٩٧ ]
رمضان، هل ستكون له نتيجة حقيقية، هل سيكون له ثمرة فعلية، وما المطلوب أن أعمله لكي تأتي الثمرة المرجوة .. إن من يريد تقويم عمله؛ ينظر في ثمرته أولًا بأول، إذًا فلابد أن نقف في كل ليلة من رمضان مع أنفسنا لننظر، ولأن لله في كل ليلة عتقاء من النار؛ فلابد أن يكون في كل ليلة وقفة: هل أنا في هذا اليوم كنت ممن أُعتَق، وماذا أفعل لأتدارك ما فات من عتق ومغفرة، اللَّهم أعتق رقابنا من النار يا رب ..
أيها الإخوة، لكي تعتق رقابنا من النار، فلابد من تحديد الأهداف، لا بد من رسم خطة العمل، ووضع الوسيلة للوصول إلى هذه الأهداف، ووضع نموذج لتقويم العمل وتحصيل الثمار، وأولًا إليكم الأهداف:
الهدف الأول: تشوق القلب للرحمة:
لا بد أن تهدف لأن ينال قلبك رحمةُ الله، ولابد أن يسمو، ويتمنى، ويرجو، ويحب، ويأمل أن ينال من الله رحمة كما قال النبي - ﷺ -: "لن يدخل أحدكم الجنة عمله"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟، قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" (١)، سبحان الله!!، حتى رسول الله - ﷺ - الذي هو رسول الله .. حبيب الله .. إمام الخلق .. وحبيب الحق محمَّد - ﷺ - لن يدخل الجنة إلا برحمة الله.
إذًا فأنت محتاج لأن تُرحم، وعندما ينزعج قلبك لطلب الرحمة؛ هنا ستنزل عليك -إن شاء الله- رحمة الله، وخصوصًا أن لله في كل ليلة من رمضان رحمات يختص بها من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الله إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ في رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان:٢٩ - ٣١].
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٥٣٤٩)، مسلم (٢٨١٦).
[ ٩٨ ]
الهدف الثاني: استحضار نية المغفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة:
قال رسول الله - ﷺ -: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" (١)، هذا الحديث يحتاج إلى وقفة.
ينبغي أن تنتبه لتلاحظ أن النبي - ﷺ - اشترط أن تصوم إيمانًا واحتسابًا، فهل أنت تصوم إيمانًا واحتسابًا؟!
هل تعرف بدايةً ما معنى إيمانًا واحتسابًا؟، لعلك تصوم كما يصوم الناس فتمتنع عن الأكل والشرب والجماع من الفجر حتى المغرب، إذا أذن المغرب تفطر وإذا أذن الفجر تمسك "أتوماتيكيا"، أين النية؟!، أين الاحتساب؟!
إن من العجيب أن تجد بعض الناس يتساءل، هل لا بد أن تنوي لصيام رمضان؟، أقول: نعم، لا بد أن تُبَيِّتَ النية، قال رسول الله - ﷺ -: "من لم يبيِّتَ الصيامَ من الليل فلا صيامَ له" (٢)، لا بد من النية.
دعك من هذه الآلية في الحياة، قد يقال: سمعت بعض الناس يقولون: السحور نية، أقول لك: نحن لا نأمرك أن تقول: نويت أصوم يومًا من أيام رمضان فرضًا عليَّ لله العلي العظيم، هذا بدعة، لكن الذي أريده: أن يستحضر قلبك أنك ستصوم لله.
لماذا؟؛ إيمانًا: يعني استسلامًا للملك ﷾؛ يا رب، أمرتني أن أصوم فصمت.
واحتسابًا: أن تحتسب الأجر عند الله.
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٣٨)، مسلم (٧٦٠).
(٢) أخرجه البيهقي (٤/ ٢٠٢)، وصححه الألباني (٦٥٣٥) في "صحيح الجامع".
[ ٩٩ ]
وقد أوقعتني هذه المسألة في حيرة مدة من الزمان، واستشرت فيها كثيرًا من المشايخ وهي: هل الاحتساب شرط لحصول الأجر؟، أي لو أن رجلًا جلس في المسجد دون أن يستحضر نية الاعتكاف ونزول الرحمة وغير ذلك من النوايا؛ فهل هذا ليس له أجر؟، والراجح أنه ليس له أجر؛ لقول النبي - ﷺ -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١)، وهذا لم ينو شيئًا فليس له شيء.
فلابد أن تستحضر في كل عمل نية الاحتساب والاستسلام لأمر الله.
يا رب، تركت هذا لأجلك؛ لأحتسب عندك الأجر .. عندما تغمرك هذه النية وتملأ قلبك؛ حينها تحصل على الأجر، لذلك لا بد من استحضار نية المغفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة، كي يغفر لك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنك مطالب أن يكون قلبك يقظًا دائمًا متحفزًا سميعًا مجيبًا لأوامر الشرع.
الهدف الثالث: سمو الروح للعتق من النار:
لا بد من استشعار معنى العتق، أن تستشعر أنك قد تكون فعلًا من أهل النار.
* تصدَّقَ يونس بن عبيد يوم أضحى بلحم كثير ثم قال لغلامه:
والله ما أراه يتقبل مني شيئًا؛ وإني والله أخشى أن أكون من أهل النار.
قال الإِمام الذهبي في السير: كل من لم يخشَ أن يكون من أهل النار؛ فهو مغرور قد أَمِن مكر الله به.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
[ ١٠٠ ]
فلا تأمن من أخي مكر الله وخصوصًا أنك كثير المكر واحذر أن تكون من أهل النار وأنت لا تشعر.
ولابد للتخلص من هذا أن تعتق رقبتك من النار، فإذا كان لله في كل ليلة من رمضان عتقاء من النار، فما أشد خسارتك إذا مرت عليك ليلة واحدة من رمضان ولم تعتق، وإذا علمت خطر النار وشدة حرها، وشدة عذابها، لهان عندك أن تقدم الأعمال الصالحات لكي تكون سببًا لعتقك منها؛ لو عرفت النار وأدركت خطرها وعرفت أن أمامك فرصة للعتق منها؛ لبذلت الغالي والنفيس للحصول على هذا العتق، ولصار هذا الأمر همك طيلة الشهر، اللَّهم أعتق رقابنا من النار يا رب.
الهدف الرابع: سمو الروح للارتفاع عن كثافة المادة وهم الفرج والبطن:
يقول ابن القيم في كتاب "زاد المعاد" في الطب النبوي: "إن الصوم جُنَّةٌ من أدواء الروح والقلب والجسد، وجنة يعني وقاية"، فلذلك لا بد أن تنوي بالصيام أن يشفى قلبك من حب الدنيا، وتجعل ذلك هدفًا لك في الصيام، وتتسامى روحك عن هم البطن والفرج .. عن الطين .. عن الأرض .. عن غذاء الجسم ..
الهدف الخامس: إقامة حاكمية الله على النفس:
إن الإنسان في حياته العادية يعيش في غفلة شديدة غالبًا، يتابع نفسه في كل ما تشتهيه: تطلب نفسه الطعام فيأكل، وتشتهي الشراب فيشرب، وتنزع إلى الخروج فيخرج .. وهكذا فتستأسد النفس وتطغى، فإذا جاء رمضان ومنعها الإنسان ملذوذ مباحها؛ فينبغي على الإنسان استشعار هذا المعنى: إقامة حاكمية الله على النفس.
[ ١٠١ ]
يعني: أن يُشْعِر نفسه أنها ليست الآمرة الناهية الطاغية المستولية، إنما هي أَمَةٌ مأمورة خادمة مطيعة منقادة للملك الكبير سبحانه يقول: كُلْ ساعة كذا واترك ساعة كذا فتسمع وتطيع وليس لها أن تخالف .. إن استشعار هذا المعنى وإذاقة النفس مرارة الذل والطاعة المطلقة لله وأنها لا تطاع بل تطيع، وإنها يجب عليها أن تستجيب لكل ما تؤمر به غاية وهدف من رمضان وفرض صيامه ودوام ذلك لمدة ثلاثين يومًا، وينبغي أن يرصد هذا الهدف لنخرج به من هذا الشهر الفضيل.
الهدف السادس: إقامة دستور الأخلاق:
قال بعضهم: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وشهر رمضان شهر التقوى .. شهر الأخلاق، قال رسول الله - ﷺ -: "الصوم جنة، فإذا كان يومُ صومِ أحدِكم؛ فلا يَرفُث، ولَا يَفْسُق، ولا يَصْخَب، ولا يَجْهَل، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" (١).
المحافظة على دستور أخلاق الإِسلام شهرًا كاملًا بألا يلفظ بلفظ يخالف الشرع، وأن يتحكم في انفعالاته، ويتذكر دوما تلبسه بالعبادة بقوله لمن قاتله: "إني صائم"، مدرسة تربوية عظيمة، نجعلها هدفًا نخرج به من رمضان.
الهدف السابع: التدريب على المداومة:
قال رسول الله - ﷺ -: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (٢)؛ ولذلك كان عمله - ﷺ - دِيمة. إن آفة الأعمال الانقطاع والاستحسار وترك العمل، وفي
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٦)، وصححه الألباني (٩٧٨) في "صحيح الترغيب والترهيب".
(٢) متفق عليه، البخاري (٦١٠٠)، مسلم (٧٨٢).
[ ١٠٢ ]
هذا الشهر تدريب النفس على أن تستمر على العمل الصالح، فهذه ثلاثون يومًا صيامًا، وثلاثون ليلةً قيامًا؛ لتألف النفس العمل فتستمر عليه دائمًا.
هذه بعض الأهداف، وهناك حوالي خمسة وعشرين صنفًا من الأهداف، وإنما نختصر اختصارًا، هذه هي الأهداف إخوتاه، فما هو الطريق لتحقيق هذه الأهداف؟