أيها الأخوة ..
بعد أن ذكرنا أهمية القرآن وحال السلف مع القرآن في رمضان لا يفوتني أيها الإخوة استدراك هام.
هذا الاستدراك توبة للأمة ككل؛ لإصلاح حال الأمة مع القرآن كي يصلح الله حال الأمة في الواقع المرير، فافهم معي علمني الله وإياك الحكمة وفصل الخطاب:
إن توصيف واقع الأمة الإِسلامية اليوم هو كلمة واحدهّ: "التِّيه". . نعم: الأمة الآن في مرحلة التِّيه -نسأل الله أن يعفو عنا-. . ولن نخرج من هذه
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٤)، وصحيح الألباني (٣٩٩٢) في "الصحيحة".
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٤)، وصححه الألباني (٣٨٨٢)، في "صحيح الجامع".
[ ١٨٨ ]
المرحلة إلا بتغيير أنفسنا ليتغير واقعنا؛ فإن لله سننًا ربانية؛ لا تتغير ولا تتبدل، وهو سبحانه القائل: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
وبعد أن جرَّبتِ الأمة مرارًا وتكرارًا كل الوسائل في إعادة كرامتها ومقدساتها؛ لم يعد أمامها إلا الحل الأول والأولى والأصل الذي غفلت عنه .. القرآن الكريم.
ولذا فإن الأمة بحاجة إلى مشروع قومي تتفق عليه في التربية على القرآن، وتتوحد حوله ليخرجها مما في فيه، ليعيدها إلى مجدها السليب ونهضتها المفقودة.
أيها الإخوة ..
"لقد أنزل الله القرآن كتاب هداية وشفاء وتغيير وتقويم لهذه الأمة، وهذا هو سر معجزته، وإن تعلُّم قراءته، وترتيله، وحفظه، وسائل مساعدة يتيسر من خلالها الانتفاع بتلك المعجزة، ومما يدعو للأسف أن الأمة قد ابتعدت طوال القرون الماضية عن جوهره، والسبب الذي أنزل عن أجله، فتعاملت مع تلك الوسائل على أنها غايات، وتسابق المسلمون على قراءته وحفظه في أقل وقت ممكن، دون أن يصاحب ذلك اهتمام بالمعاني الإيمانية التي تحملها آياته.
القرآن حاضرٌ معنا بقُرَّائه وحُفَّاظِه، وغائبٌ عنا بالأفراد القرآنيين الذين يُعرفون بسيمهاهم، قرآنا يمشي على الأرض.
القرآن حاضرٌ معنا في المساجد وحلقات التعليم ومدارس التحفيظ والإذاعات ووسائل الإعلام؛ لكنه غائبٌ عنا بأثره ومفعوله.
[ ١٨٩ ]
القرآن حاضرٌ معنا بطبعاته الفاخرة، وتغليفاته المبهرة، وآياته التي تزين الجدران، وتُرسم على المشغولات الذهبية؛ لكنه غائبٌ عن دوره الحقيقي في قيادة الحياة وتوجيهها إلى الله -﷿-.
نفتتح به الحفلات، ونصنع منه المسابقات، وننشئ له الكليات، ومع ذلك لا نجني من وراء هذا الاهتمام ثمارًا حقيقية تظهر في واقعنا، وتصطبغ بها حياتنا.
فماذا حدث نتيجة هذا التعامل الشاذ القرآن؟
توقفت المعجزة القرآنية، أو كادت تتوقف عن العمل، وابتعد المسلمون عن سر عزهم ومجدهم وعلوهم عند الله، قال تعالى ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] فازدادت الفجوة بين الواجب والواقع، والقول والعمل، ولم يعد يظهر في الأمة أجيال قرآنية يتمثل فيها القرآن كما حدث في الجيل الأول، ذلك الجيل العظيم.
ألسنا من أهل القرآن؟!
قد يقول قائل: ولكني أقرأ القرآن وأختمه مرة كل شهر -على الأقل- وأحفظه، بل وأعمل على تعليمه للناس، وأعتبر نفسي من أهل القرآن، بل ويتعامل مَنْ حولي معي على هذا الأساس، رغم أنني أشعر داخلي بغير ذلك، فلا يوجد فارق في السلوك بيني وبين غيري ممن لا يهتمون بالقرآن كاهتمامي به؛ بل إنني أشعر مثلهم بتلك القيود التي تكبلني وتمنعني من فعل ما يرضي الله والتضحية من أجله.
نعم، هذا وصفٌ دقيق لحال البعض مع القرآن، وهذا مما يَزيد الأمر صعوبة، أن يعتبر الواحد منا أن اهتمامه بلفظ القرآن وشكله قد جعله من أهل القرآن، مع أن أهل القرآن هم العاملون به، المنتفعون بمعجزته.
[ ١٩٠ ]
قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: "حامل القرآن حامل راية الإِسلام لا يلهو مع من يلهو ولايسهو مع من يسهو".
إن تلاوة ألفاظ القرآن، وحفظ آياته يقدر عليها الصغير والكبير، المؤمن والمنافق، البر والفاجر، بل والكفار، وبالتالي لايمكن لهؤلاء أن يصبحوا من أهله بمجرد حفظهم وكثرة قراءتهم لألفاظه، ولله دَرُّ عمر بن الخطاب حين قال: لا يغرركم من قرأ القرآن؛ ولكن انظروا من يجمل به.
ويؤكد هذا المعنى ابن القيم فيقول: قال بعض السلف: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملًا .. ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به، والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظ القرآن ولم يفهمه ولم يعمل به، فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامةَ السهم.
قال رسول الله - ﷺ - في ذكر علامات الساعة: "يخرج في آخر الزمان قومٌ أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يَمْرُوقون من الدين كما يمرق السهمُ من الرَّمِيَّة" (١).
إن المطلوب من قراء القرآن بالإضافة إلى القراءة والحفظ، شيءٌ آخر في غاية الأهمية، المطلوب هو الانتفاع بمعجزته في تغييرنا ووضعنا في القالب الذي يُرضي الله -﷿-، المطلوب أن نستخدم القرآن كوسيلة تقودنا للصلح مع الله، ومن ثم نتأهل للدخول في دائرة حمايته وكفايته ونصرته، وهذا لن يتم من خلال قراءته باللسان فقط ولو آلاف المرات.
هذا لن يتم بحفظ حروفه وترك لآلئه وكنوزه ..
هذا لن يتم إذا جعلنا المذياع يذيع آياته طيلة الليل والنهار، ونحن غافلون عنه، منشغلون بغيره ..
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٣١)، وصححه الألباني (٣٦٥٤) في "صحيح الجامع".
[ ١٩١ ]
لن يصبح أولادنا قرآنيين بمجرد حفظهم لألفاظ القرآن، وإن حفظوه كله ..
سيصبح أولادنا قرآنيين عندما يتعلمون ما في الآيات من معان وإيمان، ويطبقون ما فيها من عمل، بعد أن يحفظوها، وإن أدى إلى حفظهم لأجزاء قليلة من القرآن، فهذا خيرٌ لهم ولأمتهم من أن يكونوا مجرد حفظة وفقط، وإن جمعوا الأمرين -أقصد حفظه كاملًا مع فهمه والعمل به- فهو الأولى بل وهو المطلوب في هذه الأيام؛ فهذا علو همةٌ، وزيادة طاعة، ونصرة الأمة.
جاء رجل إلى أبي الدراداء فقال: إن ابني جمع القرآن، فقال: اللَّهم غُفْرًا؛ إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع".
كيف ربى النبي - ﷺ - الصحابة على القرآن؟
ما ذكرناه هو أيضًا للشباب والكبار .. وانظر كيف تربى الصحابة، يقول الإِمام القرطبي ﵀ في مقدمة تفسيرة تحت عنوان "باب كيف التعلم والفقه لكتاب الله تعالى وسنه نبيه - ﷺ -، وما جاء على أنه سُهِّلَ على من تقدم العمل به دون حفظه":
ذكر أبو عمرو الداني عن عثمان وابن مسعود وأُبَيّ: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشرٍ أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل؛ فيعلمنا القرآن والعمل جميعًا، وعن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ قال: كنا إذا تعلمنا عشرَ آياتٍ من القرآن؛ لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعرف حلالها وحرامها وأمرها ونهيها.
وعن نافع عن ابن عمر قال: تعلم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جَزورًا.
[ ١٩٢ ]
وقال عبد الله بن مسعود: إنا صَعُبَ علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسَهُلَ علينا العملُ به، وإن مَنْ بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به.
وعن مجاهد عن ابن عمر قال: كان الفاضل من أصحاب الرسول - ﷺ - في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يقرءون القرآن، منهم الصبي والأعمى ولا يرزقون العمل به.
وقال خلف بن هشام البزار: ما أظن القرآن إلا عارية في أيدينا؛ وذلك أنا روينا أن عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشرة سنة، فلما حفظها نحر جزورًا شُكرًا لله، وإن الغلام في دهرنا هذا يجلس بين يديَّ فيقرأ ثلث القرآن لا يُسقط منه حرفًا، فما أحسب القرآن إلا عاريةً في أيدينا.
وقد قال أهل العلم بالحديث: لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكَتْبِه، دون معرفته وفَهْمه؛ فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل، وليكن تحفظه للحديث على التدريج قليلًا قليلًا مع الليالي والأيام.
وممن ورد عنه ذلك من حفاظ الحديث: شعبة وابن عطية ومَعْمر، قال معمر: سمعت الزهري يقول: من طلب العلم جملة فاته جملة؛ وإنما يُدرك العلم حديثًا وحديثين، والله أعلم.
وقال معاذ بن جبل - ﵁ -: اعلموا ما شئتم فلن يأجرَكم الله بعلمكم حتى تعملوا.
وقال ابن عبد البر: رُوي أن العلماء همتهم الدِّراية، وأنَّ السفهاء همتهم الرواية" اهـ.
[ ١٩٣ ]
ولابد من تعليق أيها الأحبة في الله بعد كل ما سبق، وإنما ذكرت لكم كل ما سبق جملة واحدة وإن كان يبدو على خلاف منهجنا في الأمر بتلاوة القرآن وحفظه بتدبر وبغير تدبر وحفظ القرآن بعلم أو بغير علم، سُقتُ ما سبق لننتقل خطوة إلى الإِمام؛ لذلك ألخص أهدافنا في موضوع القرآن جملة واحدة فأقول:
أولًا: الاهتمام بالقرآن وجعله نصب أعيننا لا يفارقها ليل نهار.
ثانيًا: التلاوة للقرآن أهم من الحفظ وهي نوعان لا يُستغنى بأحدهما عن الآخر.
١ - تلاوة تدبر وتفكر: وهي ختمة لا يتسرع بالوصول إلى آخر القرآن فيها؛ بل يهتم فيها بالعلم فتعطي كل آية حظها من التدبر، والبحث عن العلم بها، والتنقيب عن أسرارها بالقراءة في التفاسير وكتب العلم وسؤال أهل العلم.
٢ - تلاوة الأجر: وهي الختمات التي نطالب بها يوميًّا وفي رمضان وغيره؛ إنما هي ابتغاء الأجر، بكل حرف عشر حسنات، فهذه يُتغاضى فيها عن التدبر، وتُصرَف الهمة إلى تحصيل الأجر من الله فحسب؛ فإن الوعد بأنَّ على كل حرف عشر حسنات لم يُشترط فيه التدبر.
ثالثًا: حفظ القرآن وظيفة الأمة ومطلب شرعي، ولا يزهدك في ذلك ما سقناه من نقولات عن بعض السلف؛ وإنما كان التركيز السابق من أجل العمل؛ فلابد أن تحفظ القرآن؛ لأن درجتك في الجنة بقدر حفظك؛ بدليل حديث: "يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارْق، ورتِّل كما كنت ترتل في دار الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد، وصححه الألباني (٨١٢٢) في "صحيح الجامع".
[ ١٩٤ ]
إخوتى في الله:
إنني أريد أن أحذِّر بعض قومنا الذين يأخذون بعض الكلام ويتركون بعضه لأهواء في أنفسهم فينتقون من الكلام ما يؤيدون به أهواءهم ورغباتهم.
أؤكد مرة أخرى أن كل ما هو مطلوب منك:
- حفظ القرآن.
- تلاوة القرآن.
- فهم القرآن.
- تدبر القرآن.
- العمل بالقرآن.
- إسلام زمامك للقرآن.
أن يربيك القرآن، وأن يصنعك الله بالقرآن، وأن يقودك القرآن، وأن يحكم القرآن حياتك ..
لتكون من أهل القرآن .. الذين هم أهل الله وخاصته ..
اللَّهم اجعلنا وأهلينا وذرِّياتنا من أهلِ القرآن أهلِكَ وخاصَّتِه
[ ١٩٥ ]