حين يخلو كل حبيب بحبيبه
[ ٢٢٩ ]
الاعتكاف
الاعتكاف .. وما أدراك ما الاعتكاف ..
جئنا إلى بيت القصيد والمَحَكِّ الصادق للحبِّ الحقيقي ..
حين يخلو كُلُّ حبيبٍ بحبيه
حين يُذكر الاعتكاف تهفو إليه النفوس المؤمنة والقلوب الصادقة.
الاعتكاف بيتُ المشاعر .. وعمقُ الإيمان .. وصدقُ التوجه .. وحلاوةُ الغربة ..
الاعتكاف .. ملازمةُ الباب .. والوقوفُ في المحراب: ولذةُ أُوْلِي الألباب ..
الاعتكاف .. لا بد منه لكل صادق؛ فإنه مطلبٌ رئيس يحتاجه في حياته ..
في القلب شعث لا يَلُمُّهُ إلا الإقبال على الله ..
وفي القلب فاقة .. لا يسدها إلا الأنس به واستشعار معيته ..
هَمُّ الحياة وكبدها .. شتاتُ القلبِ وتفرقه .. مأساةُ التعامل مع الناس ودنياهم .. كل ذلك يجعل الإنسان يتوق إلى خَلوة حصينة يخلو فيها مع ربه وإلهه .. وحبيبه ومعبوده وسيده ومطلوبه ..
يجعل الإنسان يشتاق إلى لحظاتٍ يتخلص فيها من كل شيء، ومن كل أحد .. ويجتمع همُّ قلبه وكلُّ مشاعره وأحساسيه بل وكلُّ حواسه على الله وحده.
[ ٢٣١ ]
وفرحة اعتكاف رمضان لمن أراد أن يغتنمها فرصةُ الفرص ..
فإنه يخص العشر الأواخر من رمضان جوٌّ إيمانيٌّ عَبِق .. جوٌّ روحانيٌّ طَلْق .. فيها هدايا .. وفرائد وفوائد .. ونِعَم لا تحصى تحتاج إلى شكر ..
ولك في رسول الله - ﷺ - أسوةٌ؛ فإن هذه الخَلوة فترة إعداد وتهيئة وتدريب لأحد عشر شهرًا قادمة.
قال بعض أصحاب التفاسير عند الكلام على خَلوة النبي - ﷺ - في غار حراء كلامًا نفيسًا أنقله هنا بنصه تتأمله وتستفيد ما يمس قلبك منه قال ﵀:
"وكان اختياره - ﷺ - لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له؛ ليُعِدَّه لما ينتظره من الأمر العظيم. ففي هذه العزلة كان يخلو إلى نفسه، وَيخْلُصَ من زحمة الحياة وشواغلها الصغيرة، ويُفَرَّغ لموحيات الكون، ودلائل الإبداع؛ وتسبح روحه مع روح الوجود؛ وتتعانق مع هذا الجمال وهذا الكمال؛ وتتعامل مع الحقيقة الكبرى، وتُمَرَّن على التعامل معها في إدراك وفَهْم.
ولابد لأيِّ روح يُراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهةً أخرى .. لابد لهذا الروح من خَلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض، وضجة الحياة، وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة.
لابد من فترة للتأمل والتدبر والتعامل مع الكون الكبير وحقائقه الطليقة.
فالاستغراق في واقع الحياة يجعل النفس تألفه وتستنيم له، فلا تحاول تغييره.
أما الانخلاع منه فترة، والانعزال عنه، والحياة في طلاقة كاملة من أسر الواقع الصغير، ومن الشواغل التافهة؛ فهو الذي يؤهل الروح الكبير لرؤية ما هو أكبر، ويدربه على الشعور بتكاهل ذاته بدون حاجة إلى عرف الناس، والاستمداد من مصدر آخر غير هذا العرف الشائع!
[ ٢٣٢ ]
وهكذا دَبَّرَ -الله لمحمد - ﷺ - وهو يعده لحمل الأمانة الكبرى، وتغيير وجه الأرض، وتعديل خط التاريخ .. دَبَّرَ له هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات. ينطلق في هذه العزلة شهرًا من الزمان، مع روح الوجود الطليقة، ويتدبر ما وراء الوجود من غيبٍ مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب عندما يأذن الله" اهـ.
أيها الإخوة ..
لقد كان محور حياة الرسول - ﷺ - الرئيسي عبادة الله -﷿-، فهو خير من عبد الله -﷿- في هذا الكون، فكانت له عباداته اليومية التي كان يواظب عليها من فروض ونوافل، من أداء الصلوات الخمس، وأداء للرواتب، وصلاة الضحى، وقيام الليل، وعيادة مريض، وتجهيز غاز، وقضاء حوائج الناس، وغير ذلك من سلوكه اليومي.
وقد كانت له عبادات أسبوعية، مثل: صيام الاثنين والخميس، وصلاة الجمعة.
وعبادات حولية، مثل: صيام شهر رمضان، وقيامه، واعتكافه في العشر الأواخر منه.
وكل هذه الأمور التعبدية التي كان يحيا بها - ﷺ - لها توجيهاتها التربوية في حياة الإنسان المسلم، لذلك كان لزامًا على المسلم معرفة التوجيهات التربوية في عبادات رسول الله - ﷺ - المتنوعة، حتى يستطيع العمل على نهج رسول الله - ﷺ -؛ لأنه القدوة في كل أمورنا على حد سواء وهذا هو الاتباع بإحسان.
والاعتكاف عبادة ليست كغيرها من العبادات، فهي تعني الانقطاع إلى الله -﷿- بالكلية، وهجر ملذات الدنيا، التي تعترض عادة السمو الروحي للإنسان، والصلة المتكاملة بالله -﷿- من أجل تحقيق الصفاء الروحي في علاقة الإنسان المسلم بالله -﷿-.
[ ٢٣٣ ]
فالجانب الروحي في الشر وظيفته الرئيسية إيجاد صلة مستمرة بين العبد وخالقه -﷿- من خلال دائرة العبادة الواسعة، التي تشمل حياة هذا الإنسان بكليته؛ مبتغيًا بذلك مرضاة الله -﷿-، متبعًا فيه شريعة الحق ﵎، وتنقطع هذه الصلة الروحية عند انحراف هذا الإنسان عن ابتغاء مرضاة الله -﷿-، وتطبيق شرعه القويم، وتعود بعودة الإنسان إليها.
وفي الاعتكاف فرصة كبيرة لتحقيق هذه الصلة المستمرة بين العبد وربه -﷿-، وذلك لِتَوَفر بُغْيَة مرضاة الله -﷿-، واتباع شرعه ﵎ بصورة مستمرة أثناء الاعتكاف، والجوانب التربوية لسنة الاعتكاف لا تنحصر في تربية النفس على تحري ليلة القدر، أو في تربية الجانب الروحي في حياة الإنسان المسلم، وإنما هناك جوانب تربوية متعددة تمكننا أن نقول: إن الاعتكاف يعتبر بحق مدرسة إسلامية تنعقد بصورة سنوية.
وعندما تعمل التربية الإِسلامية على الوصول بالإنسان المسلم إلى درجة ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، كان لا بد وأن تُعيرَها السُّنَّةُ جُلَّ اهتمامها، وتعمل على ترسم خطا النبي - ﷺ - في أحواله كما كان يفعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، فكانوا نماذج بشرية عالية الهمم، أمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم - ﵃ - وعن الصحابة أجمعين، كانوا يعملون باستمرار في اتباعه - ﷺ - في جميع أموره حتى وإن لم يعرفوا الحِكْمَة في سلوكه - ﷺ - في أي موقف من مواقف حياته.
ولا أدل على ذلك من أنه قد ورد عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: بينما رسول الله - ﷺ - يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: "ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال
[ ٢٣٤ ]
رسول الله - ﷺ -: "إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا"، وقال - ﷺ -: "إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصلِّ فيهما" (١).
فكانت تلك المبادرة الفورية التلقائية لمتابعة سلوك الرسول - ﷺ - ألقى نعله فألقوا نعالهم وهكذا دومًا في كل الأحداث، ونتج عن ذلك بطبيعة الحال الاستسلام الكلي لشرع الله -﷿-، الذي كان أساسه ارتفاع درجة الإيمان بالله في تلك النفوس.
وعندما بدأ نور الإيمان يخفت، وتدنت مؤشراته في نفوس كثيرٍ من المسلمين -إلا من رحم ربي- بدأ التفلت من دائرة الشريعة الإِسلامية، وخاصة سنة المصطفى - ﷺ -، وقد نبتت نابتة شَرٍّ باعتبار أن كثيرًا مما جاء في حياته - ﷺ - سُنَّة، ولا بأس من تركها!!
ترى بعض العلماء والمتفقهين من أهل عصرنا، ممن عُرِفَ بالتساهل في التمسك بالسنن، إذا قيل له في تركه بعض السنن، قال: هي سنة، وهي جائزة الترك، وينسى أو يُغفِل المعنى الإيجابي لحب الرسول - ﷺ -، وهو المقتضي للاتباع والاقتداء، واللائق بالمسلم الحصيف غير هذا، فقد كان السلف الأُول يفعلون كل مطلوب شرعًا -ولو كان رغيبة أو فضيلة- ودون تمييز بين ما يطلب على سبيل الفرض أو الواجب، وبين ما يطلب على سبيل الترغيب أو الندب.
فالسُّنَّةُ المندوبة حِصنٌ للفرائض الواجبة، وبابٌ لزيادة الحسنات والأنوار على المتسنن بها، وعنوان الحب والاتباع لهدي الرسول الكريم - ﷺ - في شأنه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٦٥٠)، وصححه الألباني (١٣) في "مشكاة المصابيح".
[ ٢٣٥ ]
كله، فالحرص على السنن النبوية والتمثل بها من كبر الغنائم، وأجمل الصفات، وأفضل القربات والطاعات؛ فعليك به أيها الأخ المسلم.
والاعتكاف سنةٌ مؤكدة، واظبَ عليها رسول الله - ﷺ - في حياته بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وقد هُجِرت هذه السُّنة وغيرها من السنن النبوية في حياة الكثير من مسلمي اليوم -إلا من رحم ربي- وذلك لأسباب منها:
(١) ضعف الجانب الإيماني في تلك النفوس.
(٢) الإقبال المتزايد على ملذات الحياة الدنيا وشهواتها، والذي أدى إلى عدم القدرة في الابتعاد عنها ولو لفترة بسيطة، وبالتالي شغل الوقت والفكر بها.
(٣) اقتصار محبة رسول الله - ﷺ - على الجانب اللفظي دون العملي، والذي يتمثل في تطبيق جوانب السنة المحمدية المتعددة، ومنها الاعتكاف.
قال الزهري: عجبًا من الناس!، كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله - ﷺ - كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قبض.
الاعتكاف الذي كان يحياه الرسول - ﷺ - في العشر الأواخر من رمضان، واقتصرت مدته الزمنية بين تسعة إلى عشرة أيام، إلا أنها تعتبر بمثابة مدرسة تربوية مستقلة متكاملة، تتخللَّها كثير من أنواع العبادة لله -﷿-، والتي تعمل على إيقاظ كثير من الجوانب الحياتية في الإنسان، وجعلها في دائرة واحدة متجهة إلى خالقها -﷿-، فهي بمثابة دورة تربوية مكثفة لها نتائجها الإيجابية الفورية على حياة الإنسان في أيام وليالي الاعتكاف.
ولها أيضًا أثرها الإيجابي على حياة الإنسان فيما يستقبله من أيام خلال حياته التي يحياها إلى رمضان آخر، فحريٌّ بنا أبناء أمة محمَّد - ﷺ - العمل بهذه
[ ٢٣٦ ]
السنة، والإقبال عليها سَنةً بعد سَنة، للإفادة من جوانبها المتعددة، وإحياءً لسُّنةِ الحبيب محمَّد - ﷺ - الذي قال: "من أحيا سنتي ففد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة" (١).