لكي نستعد لرمضان لا بد من استقامة القلب، بأن يكون اللهُ أحبَّ إلينا من كل شيء، فنقدم محبته على كل شيء، وأن نعظم أمره ونهيه؛ لأن تعظيم الأوامر والنواهي من تعظيم الآمر الناهي، وأن نقوم بعملية تطهير ظاهري وباطني.
ويكون ذلك بأمور منها:
١ - التعلق بالله:
أن يتعلق القلب بالله وحده، وإنَّ من أكبر عوامل فساد القلب التعلق بالأسباب، لا تظن أنك بهذه الأسباب وحدها ستوفق لطاعة الله؛ بل لا بد من عون من الله لك، لا بد أن يتعلق قلبك بالله، فأنت لا حول لك ولا قوة، والحول والقوة لله وحده، ومن أخطر نتائج التعلق بالأسباب أن يحول الله بينك وبين قلبك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].
لا بد لك من شوق محرق يأخذ بيدك إلى ربك، ولا يحصل لك ذلك إلا بأن تطالع أسماء الله وصفاته، وتشاهد منن الله عليك وفضله السابغ، وتطالع جنايتك فتتحسر على فوات الزمان في غير طاعة الله، فتتشوق لاستدراك الفائت، وتهفو نفسك إلى عمل صالح يكفر ما قد كان من فعالك، تذكر سبق السابقين وأنت لازلت قابع في شهواتك، تذكر يوم الوعيد وأنت تأكل يديك حسرةً وأهل الإيمان في الفردوس الأعلى قد تناءوا عن أمثالك.
[ ٦٠ ]
٢ - استيعاب القلب لأسرار الطاعات:
واستلهام حلاوة الإيمان .. فإذا فقه القلب أسرار الطاعة، وذاق لذة الطاعة، انصلح حاله.
إن آفة الأعمال أيها الأحبة أن تجري على الشكليات .. على المناظر .. على ما يبدو في الظاهر .. هكذا نشأ أكثر أهل عصرنا، يتوضئُون ويصلون ويصومون ويعتمرون ويحجون، وكل العبادات يؤدون كما رأوا آباهم وأجدادهم يفعلون، هكذا يستمرون، كما يفعل الناس يفعلون، دون دراسة حقيقية لأسرارها أو فقه لروحها، وبالتالي ضاع أثرها.
وُعْدتَ ترى صلاةً بغير خشوع، وقرَآنًا بغير تدبر، وصيامًا بغير تبتل، وحَجًّا وعمرة بغير حُبٍّ وشغفٍ وشوق .. كل العبادات تؤدى شكليًّا أداءً للواجب؛ ولكن دون وعيٍ صحيح بأسرار العبادة؛ فكانت النتيجة أن تجد أعمالًا بغير نتيجة، ولا أثر لها على شخصية العبد ولا على حاله مع الله.
إننا أيها الأحبة .. إذا أردنا أن نذوق طعم العبادة، ولذة الطاعة فلابد من معرفة حقيقية لأسرار العبادة، ورمضان له أسرار، وأسرار الصيام أعظم، ولعلك إن قرأت هذا الكتاب بكامله تجمع لك من متفرقه أسرار هذه الطاعة العظيمة.