قال ابن القيم -عليه رحمة الله: "والعبد يسير إلى الله بين مشاهدة المنة، ومطالعة عيب النفس والعمل".
وأنت تتمرن على الطاعات استعدادًا لرمضان؛ ينبغي أيضًا أن تلاحظ فضل الله عليك لنوالك شرف الطاعة والتوفيق لها .. ملاحظة المنة لنوالك شرف القيام بين يدي الله .. لنوالك شرف ذكره .. وكرامة ورود كلماته على لسانك .. لنوالك شرف جريان العبادة على جوارحك رغم كثرة معاصيك .. أدخلك بيته ومَنَّ عليك بالحج والعمرة، وعافاك وقوَّاك .. وسمح لك وهو العظيم، وزاد فضلُهُ عليك فاختارك واصطفاك؛ على الرغم من عدم استحقاقك ..
إذًا استشعرت أنه سبحانه الأول الذي يُبتدأ من عنده الخير والرحمة؛ فهو
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٢٨٣٠)، مسلم (٢٧٠٤).
[ ٧٣ ]
المعد وهو الممد، فبداية طاعتك من الله ونهايتها إلى الله، قال سبحانه: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:١٠٤ - ١٠٥].
وقال ﷿: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، وأنت تعيش بين هذين الاسمين الأول والآخر .. استشعر ذلك حتى يحدث لك التبري من الحول والقوة؛ وعندئذ لا ترى عملك، وإنما ترى فقط أن الكريم سبحانه هو الذي مَنَّ عليك وشغلك بطاعته .. وأكرمك عنده .. اللَّهم أكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا.
ملاحظة المِنة تطهر القلب من رؤية العمل، وحظ النفس، والرياء والسمعة .. اللَّهم ارزقنا شكر نعمتك وحسن عبادتك .. اللَّهم إنا نحمَدُك حمَدا كثيرًا يوافي نعمَك ويكافِئ مزيدَك.