قال ﷾: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، إن رؤية الإنسان لنفسه بعين الغنى تجره إلى الطغيان ومجاوزة الحد، فلا يليق بالمؤمن إلا الفقر، وهو أصل خلقته، ولكن هذا الفقر الداخلي يحتاج إلى استشعار حقيقي ليظهر أثره على الجوارح وفي الفكر والتعبد.
ومعلومٌ أن الفقر وصفٌ ذاتيٌّ لكل مخلوق، وصفٌ لازم له، كما أن الغنى وصفٌ ذاتي للخالق ﷻ، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]؛ فلابد أن تُظهر فقرَك وذُلَّك وانكسارَك بين يديه ﷾.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] .. وحينما تنظر في الفرق بين المسلمين يوم بدر ويوم أحد؛ ماذا تجد؟ .. يوم بدر: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ .. يوم أحد: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣] .. هناك فرق بين من
[ ٦٢ ]
خرجوا للجهاد حفاة .. عراة .. جياعًا .. والرسول - ﷺ - يناجي ربه: "إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض" (١)، وبين: ليرينَّ اللهُ ما أصنع.
في الأولى كانوا فيها في قمة الذل والانكسار .. وفي الثانية كان هناك شيء من رؤية النفس .. لم ينكسروا تمام الانكسار فكسرهم .. سبحانه عزيز لا يغالب.
أيها الإخوة، الطاعات مدد وأرزاق .. وحينما تدخل على الملك وأنت فقير يعطيك، وإذا دخلت عليه وأنت مستعلٍ طردك؛ لا بد أن تدخل بفقرك وضعفك وحاجتك ومسكنتك.
وهذا الباب -باب الذل- بابٌ عظيم يوصل إلى رضا الرب الكريم ﷻ، كما قال بعض السلف: أتيت الله من الأبوب كلها فوجدتها ملأى؛ فأتيته من باب الذل فوجدته خاليًا، وكان شيخ الإِسلام ابن تيمية يفتخر بفقره لربه، وبأنه عريق النسب في الفقر إلى الله، فيقول:
أنا المُكَدِّي وابنُ المُكَدِّي وهكذا كانَ أبي وَجَدِّي
إن إظهارك الافتقار لله يستجلب لك رحمة الله وعفوه، فأنت فقير إلى الله، والله غني عنك وعن عملك، وكل ما تعمل من عمل إنما هو لنفع نفسك: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨]، فالله ﷾ لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، ولو أن خلقه كلهم أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجلٍ منهم؛ ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منهم؛ ما نقص ذلك من ملكه شيئًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣).
[ ٦٣ ]