وسموم القلب خمسة: فضول الطعام، وفضول الكلام، وفضول النوم،
وفضول الاختلاط، وفضول النظر.
١ - هدنة مع الأكل، إنه شهر صيام وتقلل لا شهر أكل ونهم وتوسع:
الطعام وقود الشهوات، وامتلاء المعدة بالطعام سبب لكسل البدن عن العبادة، وإذا أكل المرء كثيرًا شرب كثيرًا، فنام كثيرًا وخسر كثيرًا، وتأمل كيف أن النبي - ﷺ - أمر الشاب العَزَب بالصيام؛ وعلل ذلك بأن الصيام "وِجاء" أي قاطع للشهوة، يقضي عليها ويهذبها، وقد علمنا النبي - ﷺ - فِقْهَ الطعام فقال: "ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلًا، فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسِه" (٢)، نريد
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى والطبراني في "الكبير" (٢٤/ ٣٠٦)، وصححه الألباني (١٨٨٠) في "صحيح الجامع".
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢/ ١١١)، وصححه الألباني (١٩٨٣) في "صحيح إرواء الغليل".
[ ٨١ ]
هدنة مع الأكل، قال سبحانه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه: ٨١]، اكتف بلقيمات كما أمرت.
٢ - هدنة مع الكلام: رجاء .. أغلق فمك في رمضان:
قال رسول الله - ﷺ -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمت" (١)، كل كلمة تخرج من فمك فهي إما ثواب وإما عقاب، قال الله ﷻ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، وكثرة الكلام مَدعاة للخطأ.
وفي الحديث أن رسول الله - ﷺ - قال: "من صمتَ نجا" (٢)، وقد جعل الله لك لسانًا واحدًا وأذنين ليكون ما تسمع أكثر مما تتكلم، والبلاء موكلٌ بالنطق، فاحذر فضول الكلام، واحذر الاسترسال في الحديث عن الدنيا فإن ذلك يقسي القلب، وإن استطعت ألا ترد على الهاتف إلا لأمر ضروري فافعل، وأن تأمر زوجتك بالتوقف عن المكالمات التي تمتد لساعات بلا فائدة، والتي تضيع الوقت، وعادة ما تؤدي إما إلى الحديث في أمور الدنيا، وإما في الغيبة والنميمة فهكذا أحاديث النساء دائمًا.
فلا تستخدم الهاتف إلا لطاعة الله كأن تبر والديك أو تصل رحمك أو تنهي أعمالا مهمة أو تدل على خير، وألجم لسانك عن قول ما لا يرضي الله ﷿، وقد سئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: "الفم والفرج" (٣).
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٥٦٧٢)، مسلم (٤٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٥٩)، وصححه الألباني (٥٣٦) في "السلسلة الصحيحة".
(٣) أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٢)، وصححه الألباني (١٧٢٣) في "صحيح الترغيب والترهيب".
[ ٨٢ ]
وهما أيضًا سبب لدخول الجنة، فقد قال رسول الله - ﷺ -: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة" (١)، وهذا يدلك على خطر اللسان وخطر كل ما يخرج منه.
الشاهد إخوتاه: لا بد أن تتخلص من فضول الكلام؛ فإنه من سموم القلب، واستقبل رمضان بالصوم أيضًا عن الكلام.
٣ - هدنة السرير .. دعه يستريح منك شهرًا:
النوم نعمة من الله على عباده، لكنها إذا تعدت حد الإفراط أفسدت القلب، سيأتي معنا في برنامج الصائم اليومي أنه يكفيك أن تنام أربع ساعات في اليوم في رمضان؛ لأنك تطلب شيئًا عظيمًا، بل تطلب أعظم شيء وهو جنة الله، اللَّهم إنا نسألك الجنة يا رب، فلابد أن تقلل من ساعات نومك؛ لأنك في حالة طوارئ، تتعب في تحصيل غاية كبيرة، بل هي أكبر غاية، فاحذر كثرة النوم حتى لا يضيع عمرك ويضيع دينك وقلبك.
كلما حدثتك نفسك بالنوم والتكاسل عن العبادة، أغمض عينيك وتخيل الجنة، وقل لنفسك: أترضين أن نخسر الجنة؟، أتنامين وهناك من يسبقنا الآن إليها، أما علمت أن فلانًا يتلو القرآن الآن، وفلانًا يصلي من الليل الآن، فماذا سيفيدك النوم إذا سبقك هؤلاء إلى الجنة بدرجات!!
لذلك أنصحك -أخي- أن تجعل لك صديقًا مخلصًا ذا همة عالية تتنافس معه في العبادات، تتنافسان من يختم القرآن أولًا وكم مرة، تتنافسان على قيام الليل، وعلى ذكر الله، ويوقظ كل منكما الآخر فإن ذلك يجلب لك همة ونشاطًا، قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٠٩).
[ ٨٣ ]
٤ - هدنة مع الناس .. أنفاس الناس دخان القلوب:
ومخالطة الناس بلاء، قال بعض السلف: هذا أوان السكوت ولزوم البيوت.
إن الناس يثبطونك ويخذِّلونك عن الطاعة، وقلما تجد منهم ناصحًا أمينًا، فاحذر مخالطة أهل الدنيا، فإن خلائقَ السفهاء تُعدي، وكما يقول علماء التربية: "الطِّباعُ سَرَّاقة"؛ و"الإنسان ابن بيئته"، فإن كان لا بد من مخالطة فلتكن يسيرة، ولتكن بالصالحين، وعليك بذوي الهمم العالية منهم، من إذا دللته على خير سبقك إليه لا يثبطك عنه. ابحث عمن تعلم أن همته في الثريا وليست في الثرى.
وقد أُمِر رسول الله - ﷺ - بأن يصبر نفسه مع المؤمنين المجدين في السير إلى الله؛ فقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ﴾ [الكهف: ٢٨]، ثم أمره تعالى بأن يجتنب مخالطة الغافلين وطاعتهم فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقد حذرنا ربنا ﷿ كذلك من الركون إلى الظلمة ومخالطتهم، وهذا يشمل العصاة المجاهرين بالعصيان كذلك، فرؤيتهم تقسي القلوب، كما أن رؤية الصالحين تذكر بالله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣].
٥ - هدنة مع العينين .. أغمض عينيك .. أرح بصرك:
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وفي الآية التي تليها مباشرة: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، والنظر إلى المتبرجات يفتت عزم القلب .. يشتت القلب ويهلكه لأنه سم، وإطلاق البصر سبيل لحصول الظلمة في القلب، كما
[ ٨٤ ]
أن غض البصر سبيل لحصول النور والبصيرة في القلب، ولذا جاءت آيات النور بعد آيات الأمر بغض البصر، وليس غض البصر عن النساء فقط، وإنما كذلك غضه عن النظر إلى متاع الدنيا الذي يُنسي ويُلهي، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].
لا بد من راحة للبصر لكي تنطلق البصيرة، وسبيل ذلك أن يسعك بيتك ولا تنطلق في الشوارع، اشغل نفسك ببعض الطاعات: لا تجد وقتًا للخروج، واشغل بصرك بالنظر في المصحف، لا ترى أحدًا.
الوصية الرابعة: عمل هدنة الأرحام والوالدين:
إن شعورك -مجرد شعورك- أن كل الناس يحبونك ويعجبون بك.
مجرد شعور أنك ليس لك أعداء ولا أحد يحقد عليك.
هذا الشعور بمجرده يجلب راحة نفسية وهدوءا قلبيًّا وراحة ضمير، وراحة بال مطلوبة يحتاج الإنسان إليها.
وأنت أحوج لأن تستشعر هذا الأمر من المحيطين بك، وأقرب الناس إليك، أن ترى رضاهم عنك وسرورهم بك وحبهم لك، إننا نطلب هذا لا لنعجب بأنفسنا ولا طلبًا لراحة قلوبنا فقط وهدوئنا النفسي فحسب ولكن:
لنستطيع أن نجمع الهم ويسكن روع القلب، كي نعبد ربنا كما ينبغي .. إن الأجواء الإيمانية تتسم بالهدوء والسكينة واللطف .. ولاستقبال رمضان كما ينبغي لا بد من تهيئة هذه الأجواء، ولكن كيف؟!! ..
الإحسان إلى الجميع .. إراحة الجميع .. ولو على حساب نفسك .. مسامحة الكل والتنازل عن الحقوق، وأداء جميع الواجبات تجاه الجميع، ابذل كل ما تستطيع لعقد هدنة مع كل من حولك من الأقارب.
[ ٨٥ ]
طاعة الوالدين فرض واجب ما لم يأمرا بمعصية الله، فيجب عليك طاعتهما والإحسان إليهما والبر بهما، ولابد أن تصل رحمك وأن تحذر من قطع الأرحام، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، يعني واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقال رسول الله - ﷺ -: "إن الله خلق الرحم، حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك" (١)، ومن وصل رحمه وصله الله ومن قطعها قطعه الله؛ لذلك لا بد من زيارة الأرحام والسؤال عنهم ومساعدتهم إذا استدعى الأمر، كي يصلك الله برحمته في هذا الشهر الكريم، فابدأ شهرك بصلة رحمك. قال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦] فلهؤلاء حق وليس تفضلًا منك يا مسلم.
وإذا كان حق المسلم على المسلم ست؛ فإن ذا الرحم يزداد حقه على ذلك بصفة الرحم، والوالدان حقهما أعظم، ولا بأس من حمل شيء من الهدايا، والهدية تذهب وَحْرَ الصدر، الهدية تكون سببًا في المودة، قال رسول الله - ﷺ -: "تهادوا تحابوا" (٢).