فليت شِعري كيف يستدرك ذلك، وقد فات وذهب بذهاب أيامه وأزمانه؟
أولًا: الإقرار بظلمه لنفسه:
ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، وكلنا ذلك المحروم، حتى يعلم أن ما أصابه بكسبه ومرذول عمله وسيئاته في قصده ووجهته، وأن ذلك مع إحسان الله -﷿- وفضله غيرُ لائقٍ منه، وغيرُ مناسبٍ لعقله وإيمانه، وأن الله تعالى لم يظلمه شيئًا، ولكن ظلم نفسه.
قال سبحانه في الحديث القدسي: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (١).
ثانيًا: التنبه لشؤم السيئات:
ليت شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أن هذه السيئات والتفريطات إنما هي نتاجُ سابقِ السيئاتِ والتفريطات، وأن جزاء الحسنةِ التوفيقُ لحسنةٍ بعدها، وأنَّ عقوبة السيئة الخذلان حتى يقع في سيئةٍ تتلوها وتكون بعدها.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٥٧٧).
[ ٣٧٥ ]
ثالثًا: لزوم الوقوف بالباب:
ليت شِعري من هذا المحروم حتى نعزيه؟، ويكون عزاؤنا أن فضل الله -﷿- الواسع يقتضي لزوم الوقوف بالباب، وألا يفارق العبد باب ربه مهما كان من ظلم العبد أو سوء فعله، فلا يزال من الله -﷿- الكرم والجود، وإن كان من العبد البخل والإمساك، ولايزال من الله -﷿- الإحسان والعطاء، وإن كان من المكلفين الإساءة وسوء الفعل.
رابعًا: لزوم التوبة:
ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، ويعلم أنَّ الله -﷿- يبسط يده بالله ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيءُ الليل، حتى تطلع الشمس في مغربها، ويعلم أن باب الله -﷿- لا يزال مفتوحًا، وأن الله تعالى لا يرد توبة التائب "لله -﷿- أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في أرض فلاة " (١).
فلا تزال التوبة متاحة ما لم تبلغ روحك أيها المحروم حلقومك، فمتى أمدك الله -﷿- وأفسح في أجلك فلا تزال مدةُ تراجعِك قائمة، لايزال أمرُ توبتِك لازمًا غير معفيِّ أنتَ منه.
خامسًا: إصلاح العمل:
ليتَ شِعري من هذا المحروم فنعزيه؟، حتى يعلم أنه لا بد له من أن يصلح عمله؛ حتى يكون عمله ذلك بالنية الخالصة لرب العالمين ..
وحتى يكون عمله ذلك وَفْقَ سنة النبي - ﷺ - ..
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٥٩٤٩)، مسلم (٢٦٧٥).
[ ٣٧٦ ]
وحتى يكون عمله ذلك خاليًا من آفة الغرور وآفة العجب، فلا يرى عملًا يُعجبُ به؛ بل يرى فضل الله الذي يستوجب انكساره وذله لربه، صاعلانه بالعجز عن شكره، ولا يرى نفسه التي تأدى منها العمل، بل يرى نفسه التي هي أسباب القصور في العمل والعجز عن القيام بحق الله تعالى.
سادسًا: إنما يتقبل الله من المتقين:
قال علي - ﵁ -: "كونوا لقبول العمل أشد منكم اهتمامًا بالعمل، ألم تسمعوا الله -﷿- يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقال بعضهم: لأن أكون أعلم أن الله يتقبل مني مثقال حبَّة من خردل أحب إلى من الدنيا وما فيها؛ لأن الله -﷿- يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وقال بعضهم: كانوا يدعون الله -﷿- ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أخرى أن يتقبل منهم رمضان.
كل ذلك يعني أن رمضان بذهاب أيامه ينقض، وأن وظائف رمضان لا تزال قائمة، وأن ما كان من عمل في رمضان فلا يزال ينادي على المكلفين ويستتبع اهتمامهم بقبول ذلك العمل، بعد ما وقع منهم العمل، فقد كانوا يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا، وكان خوفهم ألا يقبل منهم عملهم أشد عليهم من العمل نفسه، فما يذهب بذهاب مواسم الطاعات الإقبال على الله -﷿-، ولا الاهتمام بالأعمال الصالحات.
بل إذا ذهبت مواسم الطاعات؛ بقي بعد ذلك استكمال حقوق هذه الطاعات، واستتمام ما يكون من لوازمها، من النظر فيها، والتفتيش في آفاتها، والحذر من إفشائها؛ حتى تكون أبعدَ عن الرياء.
[ ٣٧٧ ]
تعازينا .. تعازينا
أيها المحروم، تعازينا؛ أيها المحروم جَبَرَ الله مصيبتك؛ ولكن لم تنته الدنيا بانتهاء رمضان ومازال في العمر بقية، ومازال ربنا ﷻ يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، فتب وقد تاب الله عليك.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لا تيأس: ﴿أَلًا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، إذا كان في الصوم دعوة مستجابة؛ ففي كل ليلة ربك يقول في الثلث الآخر: "هل من سائل فأعطيه"، ما زالت أمامك فرصة لم تنته، القضية أنك لن تُخَلَّد في جهنم مادمت مُوحَّدًا، مازالت أمامك فرص.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن قف لتنظر من أين أُتيت، لم خُذِلت، بمَ انتكست، لا شك أنه من عند نفسك ﴿رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، الفرص كانت أمامك متاحة وأنت خَذلت نفسك، أنت أوكستَ نفسَك، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]؛ فلذلك قف لتتخلص من النفس الأمارة بالسوء، قف لتتأمل كيف ضاع منك رمضان كما ضاع سنين، قف فالمؤمن لا يُلدغ من جُحْرٍ واحدٍ مرتين.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن إن كان قد ضاع منك رمضان؛ فإن الله الحيَّ باقٍ معك على الدوام، يدعوك للإقبال عليه والإنابة إليه؛ فأقبل تُقبل.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن اعلم أن أبواب الرحمات مفتوحة طوال العام، قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها" (١).
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٠٣).
[ ٣٧٨ ]
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكنك لازلت حيًّا تستطيع أن تستدرك ما فاتك؛ بالتوبة والعزم على استغلال رمضان القادم من الآن؛ فاستعد.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن اعلم أن مواسم الطاعة متنوعة وكثيرة، ومن فضل الله علينا أنها في كل شهر، فبعد رمضان ستٌّ من شوال، ثم عشرٌ من ذي الحجة، ثم الحج، ثم شهر المحرم، وهكذا مواسم وطاعات طوال العام.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أمامك صيام الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر، وقيام إحدى عشرة ركعة يوميًّا، والصدقة، وقراءة القرآن وغير ذلك، فهي أبواب للخير في رمضان وغيره؛ فأقبل ولا تحزن.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن حاول أن تقوم بعمرة في الفترة القادمة؛ لتعوض ما فاتك وتجبره.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لا تخف ولا تحزن؛ فالكريم سبحانه شكورٌ يشكر على القليل، ثم ينميه، ولكن بشرط الإخلاص.
أيها المحروم، تعازينا؟ ولكن اقتنص كل فرصة بعد ذلك تأتيك في طاعة الله.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن قل: قَدَّرَ الله وما شاءَ فعل، وتعلَّم من أخطائك حتى تتقدم بعد ذلك.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن في لحظة تستطيع أن تكون وليًّا حقًّا .. تقيًّا حقًّا، بالتوبة والإقبال على الله، والندم على ما فات، والعزم على الإصلاح.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لا تيأس؛ فإنه ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن معك سلاح قوي تستطيع أن تفتح به كل مغلق وهو الدعاء، فالزم التضرع والافتقار.
[ ٣٧٩ ]
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن ندمك على ما فاتك يُرضي الله عنك فيرحمك، فأبشر مادمتُ نادمًا عازمًا.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر فأنت مسلمٌ موحد تصلي وتذكر الله وتحب نبيك محمدًا - ﷺ - فيرجى لك ومنك الخير.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن حاول مرة أخرى، وتأسَّ بالنمل، المخلوق الضعيف الذي يحاول مرات ومرات؛ حتى يسلك الطريق الذي يريده.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر؛ فإن لك ربًّا هو الله، الغني القوي الحنَّان المنَّان الملك الرحمن الرحيم الودود اللطيف يقول: "من تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا".
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر بجنةٍ عرضها السموات والأرض إن استقمت وعُدْتَ إلى الله.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن لازالت معك الجوهرة العظيمة، والمعجزة الخالدة، تراها وتمسكها بيدك: القرآن الكريم، فاسعد به واتْلُهُ ليلًا ونهارًا.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن أبشر وتفاءل بندمك وتوبتك وتحسرك على ما فات منك، فتلك علامة صحة قلبك، وادع الله أن يبلغك الخير.
أيها المحروم، تعازينا؛ ولكن انتظر أن نقول لك: تهانينا.
ليت شِعري من المحروم فنعزيه؟، حتى يحبس نفسه على طاعة الله ويمنعها من مألوفاتها ومحبوباتها وشهواتها، ويعلم أن ذلك الحرمان إنما أصابه لاستغراقه في تحصيل شهواته، ولتركه سنن النبي - ﷺ - حتى قعدت به عاداته ومألوفاته عن فوزٍ عظيم. يا حسرةً على ما فاته!! ..
من صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن لا يعصي الله تعالى؛ فإنه
[ ٣٨٠ ]
مقبولٌ بغير حساب ولا عذاب، ومن صام رمضان وهو يعزم إذا ذهب رمضان أن يعصي الله تعالى، فصومه مردود عليه، وعمله غير مقبول منه.
فليت شعري من هذا المحروم فنعزيه؟، حتى يكون عزاؤنا له إلزامًا له ببداية توبته واستكمال استقامته، وحذره من أن لا يأتيه رمضان آخر، حتى يكون ذلك تحذيرًا له من أن يأتيه الموت بغتة، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٩].