وهديه - ﷺ - في الاعتكاف كان أكمل هدي وأيسره.
فكان إذا أراد أن يعتكف وُضع له سريره وفراشه في مسجده - ﷺ -، وبالتحديد وراء اسطوانة التوبة كما جاء في الحديث عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: "أنه كان إذا اعتكف طرح له فراشه، أو يوضع له سريره وراء اسطونة التوبة" (٢).
وكان النبي - ﷺ - يُضرب له خِبَاءً على مثل هيئة الخيمة، فيمكث فيه غير أوقات الصلاة حتى تتم الخَلوة له بصورة واقعية، وكان ذلك في المسجد، ومن المتوقع أن يُضرب ذلك الخباء على فراشه أو سريره، وذلك كما في حديث عائشة - ﵂ - قالت: "كان النبي - ﷺ - يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خِبَاءً، فيصلي الصبح، ثم يدخله" (٣).
وكان دائم المكث في المسجد لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان من بولٍ أو غائط؛ وذلك لحديث عائشة - ﵂ - حين قالت: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكلفًا" (٤).
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٧٨)، وضعفه الألباني (٥٠١) في "ضعيف الترمذي".
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٧٧٤)، وضعفه الألباني (٣٩٢) في "ضعيف ابن ماجه".
(٣) متفق عليه، البخاري (١٩٢٨)، مسلم (١١٧٢).
(٤) متفق عليه، البخاري (١٩٢٥)، مسلم (٢٩٧).
[ ٢٣٧ ]
وكان - ﷺ - يُؤتى إليه بطعامه وشرابه إلى معتكفه، وكان - ﷺ - يحافظ على نظافته؛ إذ كان يُخرِج رأسَهُ إلى حجرة عائشة - ﵂ - لكي تُرَجِّل له شعرَه، فعنها - ﵂ -: "أنها كانت تُرَجِّل النبيَّ - ﷺ - وهي حائض، وهو معتكفٌ في المسجد، وهي في حجرتها، يناولها رأسه" (١).
وكان - ﷺ - لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة؛ وذلك من أجل التركيز والانقطاع الكُليِّ لمناجاة الله -﷿-، ففي الحديث عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: "كان النبي - ﷺ - يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يُعَرِّج يسأل عنه" (٢)، وأيضًا عنها أنها قالت: "السُّنَّة في الاعتكاف أن لا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع".
وكان أزواجه - ﷺ - يزرنه في معتكفه، وحدث أنه خرج يوصِّل إحداهن إلى منزلها وكان ذلك لضرورة، إذ كان الوقت ليلًا، فرأى - ﷺ - أن خروجه معها - ﵂ - لا بد في ذلك الليل، فخرج معها من معتكفه؛ ليوصلها إلى بيتها.
وخلاصة القول: إن هديه - ﷺ - في اعتكافه كان يتسم باليسر، فقد كان جُلُّ وقته مُكثٌ في المسجد، وإقبالٌ على طاعة الله -﷿-، وترقبٌ لليلة القدر.