اقتناص الفوائد واجتناء الثمار
والمحافظه على
الأدوية الرمضانية
[ ٣٣٥ ]
وداع رمضان
أيها الأخوة .. أنا أحبكم في الله ..
ها هو الضيف الكريم يلوح بالرحيل، تمضي أيامه مسرعةً وكأنها حلمٌ جميل.
فيأيها الضيف الكريم على رِسلك؛ فقلوبنا لازالت مشتاقةً إلى وَصْلِك.
انتظر .. تمهل فما أجمل مقامك، وما أحلى أيامك .. وما أمتع صيامك!!
لقد ذقنا فيك لذةً في غيرك ما ذقناها، لقد عشنا فيك عيشةً في غيرك ما عشناها!
فكيف ترحل عنا بعد أيام لنا حُلوة قضيناها؟!، إن رحيلك عنا مصيبةٌ أبدًا لن ننساها ..
ولكن تلك مقادير ربي قدرها وسواها، فاللَّهم أجرنا في مصيبتنا يا رب ..
إخوتاه ..
ولَّت أيامُ رمضانَ مسرعة، ولم يبقَ منه إلا أيامٌ قلائل، ووجب علينا التنبيه، والتنويه لما فات ولما بقي .. بقي إخوتاه عشرة أيام .. فانتبهوا فسوف تمر هي الأخرى كلمح البصر.
ألا فشمروا عن ساعد الجد في هذه العشر، واهجروا لذيذ المنام، واقتدوا بنبيكم - ﷺ -، فقد كان يخص العشر الأواخر بأعمال لا يعملها في بقية الشهر؛ يخصها بالاعتكاف والقيام، والاغتسال كل ليلة بين العشاءين، والتنظف والتطيب، وإحياء الليل كله، فعن عائشة - ﵂ - قالت: "كان رسول الله - ﷺ -
[ ٣٣٧ ]
يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره" (١)، وروي عنه - ﷺ - أنه "كان يخلط العشرين الأُوَل بصلاةٍ ونوم، فإذا دخل العشر؛ لم يَذُق غَمْضًا" (٢)، طوى فراشه، واعتزل نسائه، وأحيا ليله، واجتهد في دعاء ربه.
وقد كان السلف إذا دخلت العشر؛ رفعوا الهمة إلى منتهاها، وبذلوا كل الطاقة، وكيف لا والعشر هي آخر السباق.
قال طلحة بن عبيد الله: إن الخيل إذا قاربت رأس مجراها؛ أخرجت كل ما عندها.
فالسعيد من اغتنم موسم العمر قبل ذهابه، وحاسب نفسه قبل قراءة كتابه، وراقب مولاه مراقبة من يعلم أنه يراه في ذهابه وإيابه.
فينبغى إخوتاه أن نراعي هذا الفضل مدةَ عمرنا، ولا نضيِّع هذه الليالي المباركات، التي أخبر النبي - ﷺ - قطعًا أن ليلة القدر فيها؛ فلعل أحدنا يكون قد مات قبل أن يدرك العشر الأواخر في العام القادم: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٧]، أو تقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٣].
إخوتاه ..
الله ﷾ يقول: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
الله ﷾ يقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
_________________
(١) أخرجه مسلم (١١٧٥).
(٢) ضعفه ابن حجر في "اللسان" (٤/ ٣٨١).
[ ٣٣٨ ]
وهذه الأيام في آخر الشهر نحتاج للمناقشة حتى يستطيع الإنسان الحصول على أعلى الدرجات، وتحتاج إلى المسارعة بل ومسابقة الأنفاس لأنها تمر مَرَّ السحاب، وكل لحظة مرت لا تعود ولا تعوض؛ فسابق أخي الحبيب أجلك، وأدرك رضا الله بعملك، واشحذ همتك؛ فهذا أوان جِدَّك.