وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ
[ ١٦٦ ]
الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، لا يأس من قلبٍ خَمَد وجمد وقسا وتبلَّد، فإنه يمكن أن تَدُبَّ فيه الحياة، وأن يشرق فيه النور، وأن يخشع لذكر الله، فالله يحيي الأرض بعد موتها، فتنبض بالحياة، وتزخر بالنبت والزهر، وتمنح الأُكُل والثمار، وكذلك القلوب حين يشاء الله، وفي هذا القرآن ما يحيي القلوب، كما تحيا الأرض وما يمدها بالغذاء والري والدفء.
قال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]، هم لا يسجدون ولكن: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾، لا تكفي الألفاظ في تصوير ما يجيش في صدورهم منه، فإذا الدموع تنطلق معبرة عن ذلك التأثر الغامر الذي لا تصوره الألفاظ ..
هذا أثر القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه، العارفة بطبيعته وقيمته، وإني لأعجب لقراء القرآن كيف يهنيهم النوم ومعهم القرآن، أما والله لو علموا ما حملوا لطار النوم عنهم فرحًا.
رمضان والقرآن:
قال ابن رجب - ﵀ - في "لطائف المعارف": "الصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها، سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها، أو لا يختص كشهوة فضول الكلام المحرمة، والنظر المحرم والسماع المحرم، والكسب المحرم، فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا رب .. منعته شهواته فشفعني فيه، فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواف، فأما من ضيع صيامه ولم يمنعه مما حرم الله عليه، فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني.
[ ١٦٧ ]
قال بعض السلف: إذا احتُضرِ المؤمن يقال للملك: شُمَّ رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، فيقاله: ثم قلبه، فيقول: أجد في قلبه الصيام، فيقال: شم قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام، فيقال: حفظ نفسه حفظه الله -﷿-.
وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له، أما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، فإنه ينتصب القرآن خصما له يطالبه بحقوقه التي ضيعها" اهـ.
وقد "كان النبي - ﷺ - أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله - ﷺ - حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة" (١).
قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعَرْضِ القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.
وفي الحديث أن المدارسة بين جبريل ﵇ وبين النبي - ﷺ - كانت ليلًا، فيدل ذلك على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن ليلًا، فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] " اهـ.
قال رسول الله - ﷺ -: "من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة" (٢)، وقال - ﷺ -: "يأتي القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلِّه، فيلبس تاج
_________________
(١) متفق عليه، البخاري (٦)، ومسلم (٢٣٠٨).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٣)، وصححه الألباني (٦٤٤) في "الصحيحة".
[ ١٦٨ ]
الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حُلَّة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه، فيقول: اقرأ وارْقَ، ويُزاد بكل آيةٍ حسنة" (١).
قال أحمد بن الحواري: إني لأقرأ القرآن وانظر في آية فيُحَيَّر عقلي بها، وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله، أما إنهم لو فهموا ما يتلون، وعرفوا حقه وتلذذوا به، واستحلوا المناجاة به؛ لذهب عنهم النوم فرحًا بما رزقوا.
وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن ..
وكان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم.
وكان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان ..
وقال ربيع بن سليمان: كان الشافعي يختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلا في صلاة.
وكان قتادة يختم القرآن في كل سبع مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا دخل العشر ختم في كل ليلة مرة ..
وكان النخعى يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة، وفي بقية الشهر في ثلاث ..
وكان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وفي غير رمضان في كل ست ليال ..
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٩١٥)، وحسنه الألباني (٨٠٣٠) في "صحيح الجامع".
[ ١٦٩ ]
إخوتاه ..
هذا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن عباد الله، وفي بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب الله يتلى فيكم بين أظهركم ويُسْمَع.
وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع، ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع، وتراكمت علينا ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع ..
كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشباب منه ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع والأبصار، أفمالنا فيهم أسوة؟، ما بيننا وبين حال الصفا أبعد مما بين الصفا والمروة، كلما حسنت مِنَّا الأقوال ساءت الأعمال ..
فهل من توبةٍ صادقة وعزيمةٍ ماضية .. نتلو كتاب الله بالتدبر والفهم فيكون لنا شافعًا عند ربنا فيرفع ما بنا من غمة ..
هيا لنفهم القرآن مع كيفية تحصيل لذة القرآن:
أيها الإخوة ..
إذا عرفنا الآن أهمية القرآن في العودة بالأمة .. وعرفنا كيف نحفظه ونتعلمه كما حفظه الصحابة؛ لنتربى عليه وعرفنا ما هو المطلوب منا بالنسبة للقرآن في نقاط محددة .. بقي أن نعرف كيف نحصل لذة تلاوته وقراءته، لا سيما ونحن في شهر القرآن.
[ ١٧٠ ]