وعيسى بن مريم ﵊ نبي رسول لا يختلف في هذا اثنان من المؤمنين، والله جل وعلا جعل هذا النبي الكريم آية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون:٥٠]، وقال جبريل ﵇ كما حكى الله جل وعلا في القرآن: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١].
ولهذا ما اختلف الناس في أحد كما اختلفوا في عيسى بن مريم من السابقين، وفي هذه الأمة اختلف الناس كثيرًا في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فالنواصب يعادونه، والشيعة يتولونه زيادة على حقه، وأهل السنة ينصفونه، وهذا هو الحق، فمثله مثل عيسى بن مريم، فاليهود يريدون قتله، والنصارى يتولونه حتى جعلوه إلها، والمسلمون قالوا فيه الحق، وهو أنه نبي الله وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه.
وقد أعطى الله عيسى ﵊ معجزات، فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، كما حكاه الله في آل عمران، وحكاه الله جل وعلا في المائدة.
وقد أرادت اليهود قتله، ثم إن الله جل وعلا رفعه كما هو منصوص في القرآن، وألقي الشبه على غيره.
فاليهود ظنت أن من قتلته عيسى، ثم صلبوه، والنصارى آمنوا بأنه قتل وبأنه صلب فداء للبشرية، ويقولون: إن الله حكم عدل لا يترك خطيئة من غير عقوبة، وإن آدم ﵇ أخطأ بأكله من الشجرة وأهبط إلى الأرض، وإنه لا بد من أن يدفع أحد ثمن خطيئة آدم، فقالوا زورًا وبهتانًا وكفرًا وتطاولًا على الله: إن الله جل وعلا أراد أن يخلص بني آدم من خطيئة أبيهم فبعث ابنه -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- فألقى عليه ما يسمى بالناسوت، أي: ما يقارب الإنس حتى يقتل ويصلب، فيكون في قتله وصلبه كفارة لخطايا بني آدم، فمن آمن بعيسى كفرت عنه خطاياه، ويسمى ذلك عندهم في دينهم المحرف بالتعميد.
أما النصارى الأولون الذين أثنى عليهم الله في القرآن الذين هم أتباع عيسى الحقيقيون فلا ريب في أنهم كانوا على الدين الحق؛ لأن النصرانية المحرفة هي التي عليها أتباعها اليوم، أما النصرانية الحقة فهي التي كانت في زمن عيسى بن مريم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة:١١١]، فهؤلاء حواريون أتباع عيسى الذين كانوا معه ﵊.
فأما رفع عيسى ﵇ اضطهدت اليهودية النصرانية مرحلة من الزمن، ثم بعد تقريبًا قرابة ثلاثة قرون جيء إلى المكان الذي صلب فيه عيسى على حسب زعمهم، وإلا فعيسى رفع، فجاء رجل فوجد خشبة فتمسح بها، وكأنه كان به مرض فبرئ، فدل الناس على المكان، وفي وقتها كانت النصارى لهم سلطان، فجاء الإمبراطور أو الملك أو السلطان آنذاك فبنى كنيسة على ذلك المكان، وهي إلى اليوم موجودة في أرض فلسطين تسمى: كنيسة القيامة؛ لأنهم يزعمون أن عيسى ﵇ منها سيقوم مرة أخرى على أنه مخلص، وتسمى كنيسة القمامة؛ لأن اليهود كانوا يرمون القمائم عندها إهانة لعيسى ﵇.
وهذه الكنيسة موجودة إلى اليوم في أرض فلسطين، وهي معظمة عندهم وفيها تصاوير وغيرها، وفي هذا المكان يزعم النصارى أن عيسى سيعود مرة أخرى، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ - ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ﴾ [الزخرف:٦١] أي: عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف:٦١]، أي: علامة من علامات وأمارات الساعة.
[ ٤ / ٥ ]