وكان القرشيون الأوائل ينكرون البعث والنشور جملة مع اعترافهم بوجود الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]، فردوا على النبي ﷺ قوله بأن الله يحيي العظام وهي رميم، وأنه يبعث الموتى، فأجابهم الله جل وعلا بثلاثة أدلة تدل على أنه يحي الموتى: الدليل الأول: أنه جل وعلا هو الذي خلقهم ابتداء، وهو ما يسمى بالنشأة الأولى.
والدليل الثاني: أن الله جل وعلا خلق ما هو أعظم منهم، وهو السماوات والأرض.
والدليل الثالث: أن الله جل وعلا أمرهم بأن ينظروا في النبات كيف يكون، وهذا دليل على إنبات الناس من قبورهم كإنبات الأرض بعد موتها.
قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت:٢٠]، وقال جل وعلا بعد أن ذكر الماء وسقيه وإحياء الأرض بعد موتها: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]، وقال جل وعلا: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠] وهذه الثلاثة الأدلة المتفرقة في القرآن جمعها الله في خواتيم (يس)، وقال الله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] فجمع الله إجابة له بثلاثة أدلة، فقال جل وعلا: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]، هذا الدليل الأول، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:٨٠] وهذا قياس على النبات، وهو الدليل الثاني، ثم قال بعدها: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]، فهذه الأدلة الثلاثة فرقها الله في القرآن وجمعها في (يس).
[ ١٧ ]