وفرقة أخرى علموا هذه الأخلاق.. وعلموا أنها مذمومة من وجه الشرع إلا أنهم لعجبهم بأنفسهم يظنون أنهم منفكون.. وأنهم أرفع
[ ٣٨ ]
عند الله من أن يبتليهم بذلك.. وإنما يبتلى به العوام دون من بلغ مبلغهم فى العلم.. فأما هم فإنهم أعظم عند الله من أن يبتليهم.. فظهرت عليهم مخايل الكبر والرياسة.. وطلبوا العلو والشرف.. وغرورهم أنهم ظنوا ذلك ليس تكبرا.. وإنما هو عز الدين، وإظهار لشرف العلم.. ونصرة الدين.. وغفلوا عن فرح إبليس به.. ونصرة النبي ﷺ لماذا كانت؟.. وبماذا أرغم الكافرين؟ وغفلوا عن تواضع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.. وتذللهم وفقرهم ومسكنتهم حتى عوتب عمر ﵁ فى بذاذته عند قدومه إلى الشام فقال: إنا قوم عزنا الله بالإسلام.. ولا نطلب العزة فى غيره..
ثم هذا المغرور يطلب العز للدين بالثياب الرفيعة.. ويزعم أنه يطلب عز الدين وشرفه.. ومهما أطلق اللسان فى الحسد فى أقرانه أو فيمن رد عليه شيئا من كلامه لم يظن بنفسه أن ذلك حسد.. ويقول: إنما هو غضب للحق ورد على المبطل فى عدوانه وظلمه.. وهذ مغرور.. فإنه لو طعن في غيره من العلماء من أقرانه ربما لم يغضب، بل ربما يفرح - وإن أظهر الغضب عند الناس بأنه يحبه.. وربما يظهر العلم ويقول: غرضى به أن أفيد الخلق.. وهو هراء لأنه لو كان غرضه صلاح الخلق لأحب صلاحهم على يد غيره ممن هو مثله أو فوقه.
وربما يدخل على السلطان ويتودد إليه ويثنى عليه.. فإذا سئل عن
[ ٣٩ ]
ذلك قال: إنما غرضى أن أنفع المسلمين.. وأن أرفع عنهم الضرر.. وهو مغرور. ولو كان غرضه ذلك فرح به إذا جرى على يد غيره ولو رأى من هو مثله عند السلطان يشفع فى أحد يغضب.. وربما أخذ من أموالهم فإن خطر بباله أنه حرام قال له الشيطان هذا مال لا مالك له وهو لمصالح المسلمين وأنت إمام المسلمين وعالمهم وبك قوام الدين.. وهذه ثلاثة تلبيسات.
أحدها: أنه مال لا مالك له.
والثانى: أنه لمصالح المسلمين.
والثالث: أنه إمام..
وهل يكون إماما إلا من أعرض عن الدنيا كالأنبياء والصحابة..
ومثله: قول عيسى ﵇: العالم السوء كصخرة وقعت فى الوادى فلا هى تشرب الماء ولا هى تترك الماء يخلص إلى الزرع..
وأصناف غرور أهل العلم كثيرة.. وما يفسد هؤلاء أكثر مما يصلحونه..