١- أهمية العمل في الإسلام:
لم يكن الإسلام دينا كهنوتيا مقتصرا على الطقوس والطلاسم؛ أي الألفاظ الفخمة التي لا يعرف المتدين معناها.
بل هو، كما يلاحظ القارئ لهذا الكتاب في مباحثه الأولى، دين قوم على علاقة متينة بين الإنسان، وربه خالق الأكوان، وهو دين يطالبنا بالأعمال الصالحة التي يرضاها الله، كما يطالبنا أن نوجه كل سلكونا وغرائزنا، وحياتنا توجيها يحقق الآداب، والتشريعات الإلهية تحقيقا عمليا.
ذلك أن الكائن البشري مكون من روح وجسد، والإسلام أقام توازنا بين الروح والجسد، بين الواقع البشري والاجتماعي، والأهداف والتشريعات الإلهية المثالية،
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم، والرواية الأخرى "ألفاظها بين قوسين كبيرين" لمسلم وابن سعد، ١/ ٢٥٣. ٢ كما روى ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٦٧/ ٢، والضياء المقدسي في المختارة بسند صحيح، صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها، تأليف محمد ناصر الدين الألباني ص١١٢، الطبعة التاسعة، المكتب الإسلامي.
[ ٢١١ ]
فهو يترجم هذه الأهداف دائمًا إلى سلوك عملي يحقق متطلبات الطبيعة البشرية، ومقتضيات الشريعة الإلهية في وقت معا.
لذلك كان لأعمال الإنسان الكاملة الأولى في نجاته من عقاب الله يوم الحساب، وكان من شرار الناس الذي يعلم ولا يعمل بعلمه، عن أسامة بن زيد ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجمع أهل النار عليه فيقولون: يا فلان ما شأنك؟ ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن الشر وآتيه"، قال: وإني سمعته يعني النبي ﷺ يقول: "مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار: قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذي يقولون ما لا يفعلون" ١.
وقد حكي عن بعض علماء السلف أن العلم ينقص، أو ينسى بترك العمل به أو الدعوة إليه أو نشره، ويزداد متانة بالعمل به، والدعوة إليه وتعليم الناس، وهذه حقيقة من حقائق التربية، وعلم النفس التي أثبتتها تجربة هذه العلوم، وقد سبق إليها الإسلام بقرون عديدة.
فمن البدهي أن التعليم بالأسلوب العملي، أو بقصد التطبيق، أوقع في النفس وأدعى إلى إثبات العلم، واستقراره في القلب والذاكرة.
أما التعلم بقصد التطبيق فقد ثبت لنا من هذه المقدمة، أنه شرط من شروط صحة العلم وقبوله عند الله، وهذا القصد يجعل تصور الطالب للأمور التي يتعلمها أوسع تفصيلا، وأعمق أثرا في نفسه، وأقرب إلى الفائدة في الحياة.
التطبيق التربوي:
يتضح لنا من هذه المقدمة أن على المربي دائما أن يربي طلابه على أن يعتزموا أن يحققوا في حياتهم ما يدرسهم إياه، وأن يلقي إليهم بأسئلة من واقع الحياة، ليتأكد كيف سيطبقون علمهم في مواقف معينة من حياتهم الفردية، والاجتماعية، ويكرر هذا
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم واللفظ له، والترغيب والترهيب ١/ ٦١، باب الترهيب: من أن يعلم ولا يعمل بعلمه، لعبد العظيم المنذري المتوفى ٦٥٦هـ، ط دار إحياء الكتب العربية بمصر لعيسى البابي الحلبي.
[ ٢١٢ ]
في كل درس جديد يلقيه عليهم، وأن على مؤلفي الكتب المدرسية أن يضعوا عددا من هذه الأسئلة التطبيقية، في أعقاب كل بحث.
٢- التعليم بالأسلوب العملي: بالممارسة والتكرار:
كان من أسلوب رسول الله ﷺ أن يعلم الصحابة بالممارسة العملية، وقد رأينا في بحث "التربية بالقدوة" كيف صلى على المنبر والصحابة يصلون خلفه، ثم قال لهم: إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي.
ومن الأدلة على هذا الأسلوب النبوي حديث المسيء صلاته:
عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا دخل المسجد، ورسول الله ﷺ جالس في ناحية المسجد فصلى، ثم جاء فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ: "وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل"، فصلى ثم جاء فسلم، فقال: "وعليك السلام، ارجع فصل، فإنك لم تصل" فقال في الثانية أو في التي تليها: "علمني يا رسول الله" ١، فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها"، رواه البخاري ومسلم، ثم قال له الرسول ﷺ: "فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت من هذا فإنما انتقصته من صلاتك". وهذه الزيادة في رواية لأبي دواد.
ومن البدهي أن الصحابي عاد فصلى كما علمه رسول الله ﷺ بقرينة تكرار صلاته قبل ذلك، وتلهفه على التعلم، ولكن رواة الحديث اكتفوا بإرضاء رغبتهم في وصف رسول الله ﷺ للصلاة كما يجب أن تصلي، ويؤخذ من هذا الحديث من الناحية التربوية نتائج أهمها:
أ- تشويق الرسول ﷺ لهذا المتعلم.
ب- وتركه يحاول تصحيح خطئه بنفسه أو يعجز فيسأل، وهذا أصل انبثق عنه أسلوب "التعلم بالمحاولة والخطأ"، كما يسمونه في التربية الحديثة.
_________________
(١) ١ وفي رواية لمسلم: "والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني"، وقد نقلت الحديث من كتاب الترغيب والترهيب لعبد العظيم المنذري ت٦٥٦هـ، دار إحياء الكتب العربية بمصر لعيسى البابي الحلبي.
[ ٢١٣ ]
ج- أن الرسول ﷺ لم يبين له الصلاة الصحيحية حتى سأل عنها بنفسه، فكان هذا الأسلوب أوقع في نفس المتعلم، وأدعى إلى قبوله، وانطباع أعمال الصلاة في ذاكرته.
ومن التعلم بالعمل والممارسة: تعلم الصحابة وضوء الرسول ﷺ، وتصحيح الرسول لهم أو تصحيح بعضهم لبعض، وقد نقلت إلينا كتب الحديث جانبا من هذه الأساليب التربوية، منها على سيل المثال عن عثمان بن عفان: أنه دعا بماء فتوضأ، ثم ضحك فقال لأصحابه: ألا تسألونني ما أضحكني؟ فقالوا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ كما توضأت ثم ضحك، فقال: "ألا تسألونني ما أضحكني"، فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه، حط الله عنه كل خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك، وإذا طهر قدميه كان كذلك". رواه أحمد بإسناد جيد، وأبو يعلى، ورواه البزار بإسناد صحيح وزاد فيه١، "فإذا مسح رأسه كان كذلك".
وفي هذا الحديث قول عثمان: "رأيت رسول الله ﷺ توضأ كما توضأت"، وهذا هو التعليم بالمتابعة والعمل والممارسة والاقتداء العملي.
وفيه أيضا تمثيل عملي للناحية العاطفية: أي تمثيل أقوال الرسول، وانفعالاته كالضحك، وقد يتابع الصحابي على ذلك سائر الرواة، فيضحك كل راو ليقول لتلاميذه الرواة: "ألا تسألوني ما أضحكني؟ " ويتوضأ أمامهم ليقول لهم: رأيت فلانا توضأ وقد رأى فلانا توضأ.. كما توضأ رسول الله..
وهذا النقل لحركات الرسول راويا عن راو قد جمعت فيه أحاديث سميت بالأحاديث المسلسلة٢.
فهذا أسلوب من أساليب التربية الإسلامية، ترك أثره واضحا عند بعض علماء الحديث، فلم يكتفوا بحكاية أقوال الرسول ﷺ بل قلدوا لنا أعماله وحركاته.
وفيه عبرة للمربي، وأن عليه أن يتوضأ، مثلا، أمام طلابه وضوءا سابغا وهم
_________________
(١) ١ نقلت الحديث من الزيادة من الترغيب والترهيب لعبد العظيم المنذري ١/ ٧٧، ط دار إحياء الكتب العربية بمصر. ٢ منها للشيخ عبد الحي الكتاني ولغيره.
[ ٢١٤ ]
ينظرون إليه "وقد طالبهم مسبقا بالانتباه ليرى أيهم سيكون أشد تقليدا لوضوئه، أو وصفا له"، ثم يطلب منهم أن يتوضئوا مثل وضوئه، أو يصفوا جميع حركاته، وفي هذا اقتداء بأسلوب من أساليب التربية الإسلامية، نقل إلينا عن أصحاب رسول الله ﷺ بتوجيه منه.
٣- الطريقة العملية للاستحفاظ:
أما الأدعية الضرورية وآيات القرآن، فكان رسول الله ﷺ يعلمها للصحابة تعليما عمليا، فيرددها الصحابي أمام الرسول، بطريقة الترديد والتسميع بقصد التصحيح، وفي ذلك ورد حديث في تعليم كلمات تقال قبل النوم: عن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ: "إذا أتيت لمضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: "اللهم إني إسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت"، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما
تتكلم به"، قال: فرددتها على النبي ﷺ، فلما بلغت: آمنت بكتابك الذي أنزلت قلت: "ورسولك" قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت" ١.
وأما تعليم القرآن، فقد أشار إليه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله في حديث تعليم الاستخارة: قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول لهم: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: "اللهم إني أستخيرك بعلمك الحديث"٢.
والشاهد قول جابر: "كما يعلمنا السورة من القرآن"، فدل على أن التعليم القرآن أسلوبا نبويا خاصًّا، ولم أقف على تفاصيل عملية لهذا الأسلوب، ولكن بعض علماء القرآن والقراءات حاولوا، وإليك صورة من هذه المحاولة: قال الإمام جلال الدين السيوطي في كتاب الإتقان في علوم القرآن "النوع الرابع والثلاثون في كيفية تحمله"، أي القرآن ٣: اعلم أن حفظ القرآن فرض عين على الأمة، والمعنى فيه ألا
_________________
(١) ١ رواه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، الترغيب والترهيب، ١/ ١٧٧، ط عيسى البابي الحلبي. ٢ رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، الترغيب والترهيب ١/ ٢١١. ٣ الإتقان في علوم القرآن، الإمام جلال الدين السيوطي، ١/ ١٧١، ط مكتبة محمد توفيق ١٩٤١ بالقاهرة.
[ ٢١٥ ]
ينقطع عدد التواتر فيه، فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف، وتعليمه أيضا فرض كفاية، وهو أفضل القرب.
وأوجه التحمل "أي أساليب التعلم، وطرق نقل الحديث" عند أهل الحديث: "السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه، والسماع عليه بقراءة غيره، والمناولة والإجازة والمكاتبة، والعرضية والإعلام والوجادة"، فأما غير الوجهين الأولين فلا يأتي هنا "أي في تحمل، أو تعلم القرآن" لما يعلم مما سنذكره، وأما القراءة على الشيخ، فهي المستعملة سلفا وخلفا، وأما السماع من لفظ الشيخ، فيتحمل أن يقال به هنا؛ لأن الصحابة ﵃ إنما أخذوا القرآن من النبي ﷺ، لكن لم يأخذ به أحد من القراء، والمنع فيه ظاهر؛ لأن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على الأداء كهيئته، بخلاف الحديث فإن المقصود فيه المعنى، أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، وأما لصحابة فكانت فصاحتهم، وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على الأداء كما سمعوه من النبي ﷺ؛ لأنه نزل بلغتهم، ومما يدل للقراءة على الشيخ: عرض النبي ﷺ القرآن على جبريل في رمضان كل عام، ويحكى أن الشيخ شمس الدين بن الجزري لما قدم القاهرة، وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية، ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته، وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة، ويرد على كل منهم؛ أي يصحح خطأهم إذا أخطئوا، ويؤخذ من كلام السيوطي أنه لا يجوز تحمل القرآن؛ أي تعلمه بقصد تبليغه على أنه كما ورد عن رسول الله ﷺ، إلا بأسلوب من ثلاثة: وذلك: عند قراء القرآن:
أ- أن يسمع المتعلم ويرد القراءة بعد السماع ليصحح له الشيخ إذا أخطأ، فيتقن بذلك أداء القرآن، وترتيله وتجويده ومخارج حروفه.
ب- أن يسمع المتعلم من الشيخ، ويكتفي بالسماع إلا إذا شك المتعلم بقدرته على أداء جملة، فيستوقف الشيخ ليقرأها عليه.
ج- أن يقرأ المتعلم ويسمع له الشيخ، ثم يصحح له إذا أخطأ.
[ ٢١٦ ]
٤- الأثر النبوي للتعليم بالعمل، والممارسة:
يربي هذا الأسلوب في النفس أخلاقًا تجعل حياة لفرد أكثر استقامة، وسعادة، وتجعل المجتمع أشد تماسكا، وأكبر إنتاجا منها:
أ- الإتقان العملي خير مقياس للتعلم، سواء في ذلك الاستحفاظ، أو أداء العبادات، لذلك كان من نتائج هذا الأسلوب:
تعود الدقة وتوخي صحة النتائج، فكل متعلم يمارس العمل أمام معلمه، أو كل معلم يمارس العمل ثم يتابعه المتعلم، ثم يناظره المعلم ويصحح له أخطاءه كما صحح رسول الله ﷺ لفظ دعاء النوم للبراء بن عازب، وكما صحح صلاة المسيء صلاته.
ب- شعو الإنسان بالمسئولية عن صحة العمل، وهذا يجعل منهجية التربية الإسلامية منهجية حركية فكرية عاطفية مبنية على الوعي، والدقة صحة الأداء.
فالدقة في العواطف، والاتجاهات والأفكار، تتجلى في إخلاص النية وتوجيه العمل نحو إرضاء الله ﷻ بلا رياء، ولا استكبار ولا استهتار.
تواكبها الدقة في حركية العمل أو لفظية الدعاء، فلا تقبل العبادات إلا ضمن منهجية حركية لفظية معينة وصفها لنا رسول الله ﷺ، ونقلها لنا الصحابة فالتابعون، فالأئمة الأربعة فالفقهاء المتأخرون إلى يومنا هذا.
وقد جمع بين الأمرين في بلاغة، وإيجاز قوله تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٨/ ١١٠] .
وقد فسر الصحابة والتابعون: "الصلاح"؛ بموافقة السنة، وعدم الشرك في العبادة؛ بعدم الرياء، وبإخلاص النية لله تعالى في العبادة.
ج- التواضع وحب العمل واستبعاد الغرور، وترك الكسل والتواكل، فكل إنسان مؤاخذ بعمله، لا يغني عنه نسب، ولا جاه، ولا مال، ولا مجرد الانتساب إلى ملة أو دين معين.
وقد تفاخر أفراد من اليهود، وأفراد من النصارى، وأفراد من مشركي قريش،
[ ٢١٧ ]
وأفراد من المسلمين، فقال المشركون: "إنا لا نبعث"، وقال كل من أتباع الأديان "نحن أفضل"، فنزل قوله تعالى١: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٤/ ١٢٣-١٢٤٢] ٢، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن جرير عن مسروق، وعن قتادة والضحاك، والسدي وأبي صالح.
د- شدة الاقتناع، وبلوغه أعماق النفس:
أراد رسول الله ﷺ أن يعطي الصحابة درسا عمليا في ترك التسول، والاعتماد على النفس في كسب الرزق، فقص علينا أنس ﵁ ذلك بقوله: إن رجلا من الأنصار أتى النبي ﷺ، فسأله، فقال: "أما في بيتك شيء؟ " قال: "بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه الماء" قال: "ائتني بهما" فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، وقال: "من يشتري هذين؟ " قال رجل: "أنا آخذهما بدرهمين"، فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: "اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به"، فأتاه به فشد فيه رسول الله ﷺ عودا بيده، ثم قال: "اذهب فاحتطب وبع، لا أرينك خمسة عشر يوما"، ففعل فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما، فقال رسول الله ﷺ: "هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة" ٣.
فهذا الدرس لا ينساه الأنصاري، ولا جميع الصحابة الذين رأوا صنع رسول الله معه؛ لأنهم رأوا النتائج الطيبة للعمل بأعينهم بشكل واقعي.
فعلى المربي أن يقتدي بهذا الأسلوب ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير، ١/ ٥٥٧، ط دار الفكر - بيروت. ٢ أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عابس، وابن جرير عن مسروق، وعن قتادة والضحاك، والسدي، وأبي صالح. ٣ رواه أبو داود والبيهقي بطوله، واللفظ لأبي دواد الترغيب والرهيب من الحديث لعبد العظيم المنذري ١/ ٢٥٤-٢٥٥، ط دار إحياء الكتب العربية بمصر.
[ ٢١٨ ]