١- تعريف النشاط:
من أهم المعاني التي يعنيها "النشاط المدرسي" اليوم، صرف طاقات الناشئين أو تشجيعها أو بعثها، في أعمال وألعاب يقبلون عليها من تلقاء أنفسهم، إذ أنها تستهويهم وتحقق ميولهم وذاتيتهم، وتناسب استعدادهم، وتبعث فيهم المرح والحيوية والتفاؤل، وتحبب المدرسة إلى نفوسهم، وتشعرهم بكيانهم الاجتماعي، وبعضويتهم في الجماعة، واندماجهم في المجتمع، وتشبع بعض حاجاتهم النفسية كالحاجة إلى التقدير، واللعب والمرح، وربما نشأت فكرة النشاط في المدرسة الحديثة، يقصد الترويح عن نفوس الناشئين، وإراحتهم من عناء الجهد الفكري المستمر، فكان لها أوقات مستقلة منفصلة عن الجو العلمي، وعن الدروس المدرسية ذات الطابع الفكري، والمسئولية الجدية المرتبطة بالدرجات والنجاح، والعقاب، والتقيد بالنظام الفصلي بحذافيره.
بيد أن بعض المربين الغربيين، رأوا أن النشاط يمكن أن يكون وسيلة مباشرة للتعليم، فأدخلوه في صلب المنهج، بل أصبح في كل المناهج المعمول بها، جزءًا من المنهج ينص عليه عند سرد مفردات المنهج، أو مواده أو توصياته أو أهدافه، إما في بعض المواد الدراسية، وإما في معظمها أو كلها، ويكون له بعض الدرجات، فيؤثر في النجاح.
٢- النشاط في مدارسنا:
إن التطبيق العملي السائد عندنا للنشاط المدرسي، لا يدل على ارتباط حقيقي بينه، وبين الأهداف التي وضع من أجلها في المناهج، حتى ليظن المتتبع لنشاطات المدارس، أنها أقرب إلى تحقيق الاستمتاع والمرح، والشعور بالظفر والغلبة والقوة: منها إلى تحقيق نمو المواهب والشعور بالمسئولية النابعة من أعماق النفس دون أن تفرض فرضًا، وإن هذه النشاطات الشائعة، كأنما ابتغي بها إرضاء الآخرين، وإشباع حب الظهور بالمظهر اللائق، أكثر من أن يقصد بها أي قصور تربوي آخر.
فالنشاط الرياضي مثلًا، أصبح اليوم يأخذ بألباب الطلاب ويستهويهم، دون أن يعرفوا له هدفا ساميا أو وجهة تتعلق بعقيدتهم، أو بحاجة مجتمعهم الإسلامي أجل الدفاع عن العقيدة والأنفس، والأوطان والديار والمقدسات، والأموال والأرواح.
والنشاط الفني، أو ما يسمونه بالتعبير الفني، أصبح مجالًا للمباهاة ومضاهاة خلق الله بلوحات فنية؛ وهو الذي لم تكن غايته في الأصل مجرد الاستمتاع بالفن
_________________
(١) ١ رواه ابن حبان في صحيحه، الترغيب والترهيب، ٣/ ٢٦٤، ط/ عيسى البابي الحلبي. ٢ متفق عليه، رياض الصالحين ص٨٤، ط/ شركة الشمولي بمصر.
[ ١٥١ ]
وحسب، وإنما غايته تربية الأنامل المتقنة لبعض الصناعات الدقيقة، وإيصال المعاني السامية، عن طريق الخطوط الجميلة، والمناظر الخلابة الخالية من المحرمات، إلى الأذواق والعقول، لدلالتها على عظمة الله وضرورة الخضوع له، والشعور بما وهبنا من تذوق للجمال.
أما أن يصبح اللعب هدفا لذاته، والرسم غاية لذاتها، فهذا يؤدي إلى الانشغال بالوسائل عن الأهدف، ويصبح مثلنا كمثل إنسان أراد أن يركب طائرة لتوصله إلى مكة لأداء فريضة الحج، فأعجب بهيكل الطائرة وآلاتها، واستمتع بمكيفاتها وصورها المتحركة، ثم انتقل إلى طائرة أخرى، وثالثة حتى قرر أن يصبح طيارا، ونسي هدفه الأول، وهو الحج.
هذا هو مثل الذي تلهيه ألعاب الرياضة، عن الاستعداد الحربي أو عن إعداد القوة للأعداء، وعن الصلاة ومراقبة الله.
أو يلهيه الجدل وابتغاء البراعة الأدبية والشعرية، عن الاستعداد لفهم الإسلام، أو
عن تذوق إعجاز القرآن.
أو الذي يشغله النادي، أو مجموعة الأنداد، والأتراب عن تمتين العلاقات الإسلامية، والارتباط بالمجتمع المسلم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا استمر في ألعاب القوى والرياضة، دونما هدف أسمى يحققه من وراء القوة، أصبح كبيرا في جسمه، صغيرا في عقله، قاصرا حياته على طلب القوة الكاذبة، والبطولة الزائفة، التي لا تنصر حقا ولا تبعد أذى، ولا تبطل باطلًا: لا هم له إلا المظاهر الجوفاء، زاعمًا أن يهوى "الفن للفن" و"العلم للعلم".
٣- النشاط التربوي في فجر الإسلام:
على أننا لو تتبعنا التربية الإسلامية منذ فجر بزوغها، لوجدنا أن رسول الله ﷺ "كان يعلم الصحابة من خلال مواقف من الحياة، ففي إحدى الغزوات نزلت آية التيمم، وتعلم الصحابة التيمم وطبقوه"١.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير، ١/ ٥٠٦، ط/ دار المعرفة بيروت.
[ ١٥٢ ]
وفي حجة الوداع كان يقول للصحابة: "لتأخذوا عني مناسككم"، وكانت ترد عليه عشرات الأسئلة عن مناسك الحج فيعلم السائلين، كما رواه مسلم عن جابر١.
كما كان رسول الله ﷺ يقيم سباقا للخيل، بين الصحابة٢.
وكان يسمع للأحباش أن يلعبوا بالحراب في مسجده ويشجعهم قائلا: "دونكم يا بني أرفده" ٣.
وقد سابق بنفسه السيدة عائشة جريا فسبقها أول مرة، قالت عائشة: "فلما أسن رسول الله ﷺ سابقني فسبقته" ٤.
وعندما اشترى أرضًا من بني النجار، وسواها ليبني عليها مسجدا في المدينة، كان الصحابة يرتجزون الأناشيد، وهم ينقلون اللبن والطين:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة٥
وكانوا في بعض الغزوات ينشدون:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا٦
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
وكان الصحابة في عهد رسول الله ﷺ يتبارون برمي السهام بعد صلاة المغرب، وكانت هذه عادة لهم على ما يبدو من صيغة الحديث٧.
إذا تأملنا هذه الأحاديث أمكننا أن نعتبر النشاط التربوي على شكلين أساسيين:
_________________
(١) ١ هذا لفظ مسلم: "لتأخذوا"، وعند غيره بلفظ: "خذوا": "حجة النبي صلى الله عليه وسلم" تأليف محمد ناصر الدين الألباني ص٤٦ لجنة الشباب المسلم القاهرة ١٣٧٢هـ. ٢ صحيح البخاري كتاب الصلاة "باب جواز أن يقال: مسجد بني فلان" ج١. ٣ صحيح مسلم ج٣ كتاب العيدين. ٤ زاد المعاد لابن قيم الجوزية. ٥ البخاري ج١ كتاب الصلاة باب استقبال القبلة. ٦ سيرة ابن هشام. ٧ وقد أوردنا الحديث بتمامه، في الفصل الرابع ص١١٧-١١٨ "التربية الإسلامية والنمو الجسمي".
[ ١٥٣ ]
أ- نشاط ترويحي يجدد العزيمة ويزيل الكآبة، وكان هذا النشاط يتجلى في حياتهم عفويًّا كلما دعت الحاجة إليه، وكان بريئا من كل فحش أو محرم، كالمعازف والصور والغزل، والكذب، فكان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا، وكان يرتجز معهم البيت والبيتين عندما يكونون في عمل جماعي، كبناء المسجد، وحفر الخندق، فيتغنى الأرجوزة الإسلامية كما أثبتناها آنفًا.
وكان يسمح في الأعياد بهذا المرح، وكذلك في الأعراس، ويشارك في الولائم لإظهار البهجة والسرور.
ب- نشاط تعليمي، أو تعبدي غايته التعليم، والتهذيب والتربية العسكرية: من خلال الحياة والممارسة، كما رأينا تعليمه ﷺ التيمم، ومناسك الحج وكذلك تعليمه أركان الصلاة للمسيء صلاته، وتعليمه الفروسية، وأمره بتعليم الرمي، وإقامته مباريات في ذلك، شارك فيها رسول الله ﷺ بنفسه، وكان يقيم حفلا اجتماعيا لكل مناسبة موسمية أو طارئة، فيخطب أو يعظ الناس ثم يصلي بهم، كالاحتفال بالعيدين: الفطر والأضحى، وكصلاة الخسوف والكسوف، وكجمع المسلمين في المسجد للجهاد والدفاع والحرب، أو للاحتفال بالنصر وتوزيع الغنائم، وكان يقوم بزيارة المرضى.
وفي كل هذه المناسبات التي يمكن اعتبارها نشاطا تربويا، ربى رسول الله ﷺ في نفوس المسلمين كثير من المعاني السامية والثقة بالله، وعلمهم كثيرا من أحكام الجهاد والغنائم، والزواج والحج، والعلاقات الشورية التعاونية، والروحية الربانية، فيما بنيهم، وعلمهم كثيرا من الأذكار، والأدعية والعبادات كتشميت العاطس، والدعاء للمريض، وتجهيز الميت والصلاة عليه، وحضهم على كثير من الفضائل، كحب العمل وكره البطالة أو الاستجداء.
٤- شروط النشاط الذي يحقق هدف التربية الإسلامية:
لو قارنا بين النشاط التربوي النبوي، وبين النشاط المدرسي القائم اليوم، لوجدنا أن النشاط في فجر الإسلام، يمتاز بميزات تنبع من صميم هدف التربية الإسلامية، ومن طبيعة الإسلام، ومن خلق النبوة، وهذه الميزات تصلح أن تكون شروطًا لأي
[ ١٥٤ ]
نشاط مدرسي، فإذا استوفاها النشاط صح أن يكون وسيلة، أو واسطة من وسائط التربية الإسلامية وهي:
أ- أن يجعل النشاط الترويجي عفويا يجيب المواقف، والمناسبات الملائمة، ولا يخصص له أوقات تزاحم الدروس، أو عطل رسمية، إلا ما خصصه الإسلام من الأعياد والولائم، وبهذا يحتفظ هذا النشاط برونقه وأثر في النفوس، وتبقى النفوس مستعدة له، وقد يقل أو يكثر بحسب طبيعة المدارس، ولكن لا يجوز أن يغلب الهزل فيه على الجد.
ب- أن يكون النشاط بريئا من كل اختلاف، أو إسفاف أو خروج على الأخلاق والمبادئ الإسلامية، كالخوض في آيات الله، أو التندر بمن غلبت عليهم سيما الوقار والعبادة، أو إثارة الضغائن، أو الاستهزاء ببعض الطلاب، أو الغيبة، أو النميمة، أو كشف العورة، أو ما يقرب منها مما فيه فتنة، أو الفحش والبذاءة، في الكلام، أو التغزل وإثارة الشهوات، أو رواية القصص الخرافية التي ثبت كذبها أو اختلاقها.
ج- أن يكون النشاط التعليمي، والتربوي نشاطا واقعيا لا مصطنعا، وهذا من أهم خصائص النشاط الإسلامي، فتعليم الصلاة إنما يكون بإقامتها فعلًا، والشعور بأدائها فريضة الله ﷿، لا بتمثيلها، واتباع الجنائز يكون بقصد الثواب، وكذا التعزية، والتشميت، وزيارة المريض، وتقديم الصدقات من قبل الطلاب، وتقديم النصح والإرشاد، وتنظيم المساجد، وإقامة الخطب والنصائح، يجب أن يبتغى بها وجه الله ومرضاته.
د- أن يكون محققا للغاية المثلى للتربية الإسلامية: أي لشريعة الله وعبوديته، ولجميع ما ينتج عن التصورات الإسلامية للكون، والحياة والإنسان ومسئوليته، فتحقيق ذلك من خلال النشاط إنما ينتج عفويا، إذا تحققت الفقرات السابقة، وتنزه النشاط عن العبث والشكلية والمظهرية، وأصبح جزءًا حقيقا من الحياة من الحياة التي يحياها المجتمع المطبق لشريعة الله.
هـ- أن يقوم النشاط بما حققه من الغايات، والأهداف التربوية، لا بما أحرزه الطلاب من قصب السبق، ومن أقام اصطلح على أنها تدل على التقدم والقوة، وما جعلت في الأصل إلا لتكون حافزًا على الدأب، والصراع والقوة، والغلبة والبأس، فنتائج النشاط تقاس بما يتركه من آثار تربوية وأخلاقية، كحب العمل والنصيحة والتفاني في الحق، والتواضع والصدق والاستقامة، والصبر على البحث
العلمي.
٦- أن يكون المربي عاملًا إيجابيا فعالًا في هذا النشاط، لا أن يكتفي بدور المشرف المترفع، فالمربي هو العنصر الأساسي، والقدوة المثالية الفعلية في كل أحوال النشاط وأشكاله، يتحمل مع طلابه قسمًا من المسئولية، ويساهم معهم في العمل دون أن يتعالى عليهم، بل يشعرهم بالأخوة التي تربطه بهم تحت لواء رب واحد، وفي سبيل هدف واحد، هو إرضاء الله وتحقيق أوامره كما هو ملحوظ في صفات المربي المسلم.
[ ١٥٥ ]