لقد اقتبس رسول الله ﷺ، من كل ما مر من أنواع الحوار القرآني وأشكاله، وكل ما هو مثبت في القرآن العظيم من أساليب التربية والتعليم، ولا غرو فقد كان خلقه القرآن، وكانت حياته التربوية والتعليمية ترجمة حية بشرية، لآيات الله ومراده ووحيه.
*- الحوار طريقة تربوية نبوية:
كان رسول الله ﷺ حريصا على تعليم الصحابة بطريق الحوار، وكانت رغبته أشد في أن يكون الصحابة هم البادئون بالسؤال، فقد روى البخاري ومسلم "واللفظ له" عن أبي هريرة ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يوما بارزًا للناس، وفي رواية، قال رسول الله ﷺ: "سلوني"، فهابوه أن يسألوه فجاء رجل، فجلس عند ركبتيه، فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "لا تشرك بالله شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان"، قال: صدقت، ثم سأله عن الإيمان والإحسان وموعد قيام الساعة، قال أبو هريرة: ثم قال الرجل فقال رسول الله ﷺ: "ردوه علي" فالتمس فلم يجدوه، فقال رسول الله ﷺ: "هذا جبريل أراد أن تعلموا إذا لم تسألوا" ١ وفي لفظ للبخاري: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم" ٢.
ويؤخذ من هذه الأحاديث أمور تربوية أهمها:
أ- مشروعية ترغيب المعلمين في أن يكونوا هم السائلين، ليكون التعليم مبنيا على رغبتهم، وليكون أشد وقعا في نفوسهم.
_________________
(١) ١ صحيح الإمام مسلم ١/ ٣٠، ط دار الطباعة العامرة استانبول ١٣٢٩هـ. ٢ صحيح البخاري، كتاب الإيمان ١/ ١٢، ط المطبعة العثمانية المصرية ١٩٣٢م.
[ ١٨٤ ]
ب- إجراء حوار أمام المتعلمين، ليتابعوا الحوار ويتعلموا منه أمر دينهم، وهذه الطريقة كانت مقصودة من قبل الشارع، بدليل لفظ البخاري: $"هذا جبريل جاء يعلم الناس أمر دينهم"، وكانت هذه الطريقة تروق بعض الصحابة ﵃، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: "كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل، فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية، فقال: يا محمد: أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق"، الحديث"١.
وحديث جبريل جاء مخصصًا لعموم الآية: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ١٠١]، ولعموم حديث: "نهينا عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال"، ولعل الصحابة كانوا يتهيبون السؤال بعموم الآية والحديث، فجاء حديث جبريل مبيحا السؤال بقصد الاستفادة، والتعليم وخاصة لأمور الدين وأسسه وعقائده.
فثبت من هذا كله أن أسلوب الحوار من أساليب التربية الإسلامية، لذلك أرسل الله جبريل يسأل الرسول ويصدقه، والصحابة يسمعون بكل لهفة وشوق، ليقتدي المعلمون والمربون بهذا الأسلوب في حياتهم التعليمية والتربوية.
*- الحوار النبوي العاطفي:
كان رسول الله ﷺ أقدر الناس على تربية العواطف الربانية، والاعتماد عليها عند الضرورة.
آمن من الأنصار وفيه الرجل والمرأة، والشاب والكهل، والطاعن في السن، فربى نفوسهم على الحب في الله والحماية لدين الله، والبغض لأعداء الله، وكراهية العودة إلى الكفر والجاهلية، فلما وزع الرسول ﷺ بعض الغنائم في قريش وجدوا وعتبوا، كما ورد عن أبي سعيد الخدري قال٢: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا "أي من غنائم هوازن وسباياها" في قريش، ولم يكن في الأنصار
_________________
(١) ١ ج١ باب الإيمان ١/ ٣٢، ط دار الطباعة العامرة ١٣٢٩هـ. ٢ تهذيب سيرة ابن هشام: عبد السلام هارون ص٣١٦-٣١٨، ط دار الفكر دمشق.
[ ١٨٥ ]
منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فأمر سعد بن عباة فجمعهم، فأتاهم رسول الله ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: $"يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأعطاكم الله؟ وأعداء فألف بين قلوبكم؟ ".
قالوا: بلى والله ورسوله أمن وأفضل.
ثم قال: "ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ " قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل.
قال رسول الله ﷺ: "أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم، في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، وركلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة، والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحابكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: "رضينا برسول الله قسما وحظا".
هذه التربية النبوية العظيمة، وهذا الحوار النبوي العاطفي يدلنا من الناحية التربوية على أمور أهمها:
أ- أن الاعتماد على العواطف الربانية في المواقف الخطيرة، يجب أن يسبقه تربية صحيحة وعميقة لهذه العواطف، وكان رسول الله كما قلنا قد ربى هذه العواطف في نفوس الأنصار، حتى أصبح الله ورسوله أحب إليهم من المال، والولد والناس أجمعين.
ب- استخدام رسول الله ﷺ أسلوب القرآن الاستفهامي، لإثارة العواطف: وكأنه اقتبس من سورة الضحى ذلك القبس الإلهي حين قال لهم: "ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأعطاكم الله، وأعداء فألف بين قوبكم؟ ".
[ ١٨٦ ]
ج- وراعى رسول الله ﷺ أنهم بشر وليسوا ملائكة، وأرادهم أن يدافعوا عن أنفسهم بشيء من القول، فلما استحيوا منه، دافع عنهم بالنيابة عن أنفسهم، لئلا يترك في نفوسهم شيئا من الواجد، فقال: $"أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك.."، وهكذا نجد أن على المربي في المواقف الحرجة، ألا يصدر حكمه قبل أن يسمع من الذين يربيهم، أو يريد أن يحاكمهم، في هفوة ارتكبوها.
*- الحوار النبوي الإقناعي:
كان رسول الله ﷺ يحاور في سبيل الإقناع وإقامة الحجة، فقد أراد شخص أن يدخل في الإسلام، فاستأذن رسول الله أن يبيح له الزنا، فقال له الرسول ﷺ ما معناه١:
"ألك أم؟ " قال: نعم، "ألك أخت؟ " قال: نعم، ثم قال: "أتريد أن يزنى بأمك؟ " قال: لا"، وهنا أقلع الرجل وتاب عن هذا الخلق الدنيء، وتم إقناعه بترك الزنى عن طريق هذا الحوار النبوي، الذي يتضمن قياس معاملة الغير على معاملة النفس، وأن يترك الإنسان أذى الآخرين، ما دام لا يريد أن يؤذيه الآخرون.
وكذلك محاورته مع عدي بن حاتم:
قال الإمام الرازي في تفسيره٢: نقل أن عدي بن حاتم كان نصرانيا، فانتهى إلى رسول الله ﷺ، وهو يقرأ سورة براءة، فوصل إلى هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١]، قال، فقلت: لسنا نعبدهم، فقال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ " قلت: بلى، قال: "فتلك عبادتهم".
وروى الإمام أحمد والترمذي، وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم.. فذكر خبر فراره إلى الشام، وأسر أخته وإسلامها وترغيبها إياه بالإسلام، وقدومه إلى المدينة، وسماعه سورة "براءة" من رسول الله ﷺ، واعتراضه على آية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ
_________________
(١) ١ شعب الإيمان للإمام البيهقي. ٢ كما نقله عنه صاحب تفسير المنار ١٠/ ٣٦٦، ط مطبعة المنار بمصر ١٣٤٩هـ-١٩٣١م.
[ ١٨٧ ]
وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾، وجواب الرسول ثم قال١: قال رسول الله ﷺ: "يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ ما يضرك؟ أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم إلها غير الله؟ " ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم وشهد شهادة الحق، قال٢: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: "إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون".
هذا الحوار الإقناعي يقوم على سؤال المتعلم، أو المخاطب عما يعرفه بالحس أو البداهة، ثم يبني السائل على الجواب ما يريد بناءه من استجواب آخر، حتى يصل إلى الإقناع بكل ما يريد تعليمه إياه أو إقناعه به، فقد كان حوار رسول الله ﷺ حوارًا تدريجيا بدأ المناقشة حول معنى الآية، وحول اتخاذ النصارى لأحبارهم أربابا، أي مشرعين من دون الله، ثم تبين خطؤهم لعدي بن حاتم، فلما أنس منه الرسول ﷺ تعقلا، ورغبة في الحق تابع سؤاله عن رأيه في شعار المسلمين "الله أكبر" و"لا إله إلا الله" حتى أقر بشهادة الحق.
وهكذا كان الحوار الاستجوابي في التربية الإسلامية بعد قراءة القرآن، من الوسائل الناجحة لإقناع من يرجي إسلامه من المفكرين والعقلاء، وهو وسيلة ناجحة في التدريس، وما زال من أفضل الوسائل المتبعة إلى يومنا، إنه وسيلة للتعليم والإقناع، وإلزام الخصم بالحجة.
_________________
(١) ١ تفسير المنار ص٣٦٥ وقد لخصت أول الرواية، واقتصرت على التقيد بنص آخرها كما ورد. ٢ يعني عدي بن حاتم رواي الحديث.
[ ١٨٨ ]