اذا كنت - أخى السالك - لازلت مصرا على الاتمام، فاعلم أن من مقومات السفر: المنهج، واعلم ان منهجنا معصوم، فلا مجال لنا للاجتهاد فيه، إذ اتفق العلماء على أن أعمال العبادات توقيفية، الظاهر منها والباطن ولذا فقد تكفل الشرع - كتابا وسنة - بوصف المنهج في هذا الطريق وصفا لا يزيغ عنه الا هالك.
قال سبحانه: " إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى " (الليل: ١٢).وإذا قال " علينا " فقد وجبت .. وقال سبحانه: " وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ " (البلد: ١٠)، وقال - سبحانه - حاكيا عن موسى لما سئل عن ربه أنه عرّفه فقال: " رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى " (طه: ٥٠)، وقال سبحانه: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (التوبة: ١١٥)، وقال سبحانه:" وَالَّذِي أَوْحَيْنَا
[ ٢٩ ]
إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ " (فاطر: ٣١).
وقال رسول الله ﷺ:" تركتكم على المحجة البيضاء " وفى رواية " بيضاء نقية كالشمس لا يزيغ عنها الا هالك ". أخرجه أحمد: (٤/ ١٢٦)، وأبو داود (٤٦٠٧) وقال الالبانى صحيح.
وقال ﷺ:" تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا كتاب الله وسنتى " أخرجه أحمد
(٣/ ٥٩) والترمذى (٣٧٨٦) وقال: حسن غريب، وانظر الصحيحة (١٧٦١).
وقال ﷺ:" انه من يعش بعدى فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار ". أخرجه:
أبو داود: (٤٦٠٧) بهذه النصوص واجماع الأمة يتبين لنا يقينا لا شك فيه أن الدين كمل والطريق وصفت والمعالم نصبت والاصول وضعت.
فلا مجال لهرس الهرائسة، ولا لقرمطة القرامطة .. لا مجال لفزلكة المتفزلكين، ولا منظرة المغرورين المعجبين، لا مجال لتحديث الدين ولا للفهم المستنير - زعموا - ولا لبدع أهل الاهواء. الدين دين محمد وما كان عليه وأصحابه.
قال رسول الله ﷺ:" افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتى على ثلاث
[ ٣٠ ]
وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة، ما أنا عليه وأصحابى، وليكونن من أمتى أقوام تتجارى بهم تلك الاهواء كما تتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل الا دخله ". أخرجه أحمد (٤/ ١٠٢) وأبو داود (٤٥٩٧) وصححه الالبانى في الصخيحة (٢٠٣، ٢٠٤).
وان هذا الحديث وأمثاله ليزيد المؤمن ايمانا - والله - حين يرى تجارى الاهواء بالقوم .. فيا ايها السائر الكريم، المنهج معصوم لا مجال للاجتهاد فيه .. علمت هذه أولا فخذ الثانية.
اذا كان المنهج معصوما فلابد من المنهج، فالبداية - بداية السير - غير المنهجية تؤدى إلى الفتور وتقود إلى الانتكاس، ثم تكثر الشكوى ولا سميع ولا مجيب.
لابد من منهج حقيقى في السير إلى الله - ﷾ - وفى أصول التعبد: الصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة ونوافلها .. أقصد ان تتخذ لنفسك منهجا: ماذا ستفعل، وكم ومتى وكيف؟
وتلتزم بهذا المنهج وتتابع عليه محاسبة شديدة.
مثلا .. كان رسول الله ﷺ يصلى في اليوم أربعين ركعة، سبعة عشرة فرائض واثنتى عشرة رواتب، واحدى عشرة تهجدا وكان اذا فاته شىء منها قضاه .. حتى ثبت أنه قضى سنة الظهر بعد العصر .. فان كنت تطيق هذا وتلتزمه فالتزم ولا تفرط واياك واسهال الاستسهال.
[ ٣١ ]
ومثلا آخر .. كان الصحابة يحزبون القران، أى يختمون كل جمعة مرة .. يبدأون من عصر الجمعة ويختمون عصر الخميس بمعدل خمسة أجزاء يوميا .. أفتطيق هذا؟ التزم ولا تفرط .. واياك واسهال ولا استسهال. على هذين المثالين فقس في أجنحة المنهج الثلاثة: طلب العلم، والعبادة، والدعوة إلى الله .. اجعل لك منهجا واضحا .. كم ركعة ستصلى في اليوم؟ وكم يوما ستصوم في الأسبوع؟ وكذلك وردك في الذكر .. وكذا العلم والدعوة .. حدد ماذا ستفعل لتحاسب على ما حددت ولا تترك الأمور مبهمة .. ولا تنس: المنهج معصوم .. كن سلفيا على المنهج. ّ