ترى كيف يسافر المسافر وهو بلا مقصد؟ فبالنية يتحدد السفر وتتوضح الوجهة وعلى أساسها يخطط منهج الرحلة طالت أم قصرت، وعلى صدقها يحمل الزاد .. وهكذا سفر المؤمن لابد له من النية الصادقة، قال رسول الله ﷺ:" انما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
" متفق عليه: البخارى: (١)، ومسلم (١٩٠٧) ".
فحدد هدفك - أخى الكريم - ماذا تريد بهذا الطريق .. تحديدا واضحا لا لبس فيه، حتى تستطيع الوصول إلى ما حددته.
آلتزمت لتكون شيخا مشهورا أو زعيما متبوعا .. آلتزمت وسلكت هذا
[ ٢٧ ]
الطريق لفشلك في الحصول على الدنيا، فأردت أن تحصل عليها بزعم الاخرة .. حدد هدفك أيها المسكين، واعلم أن العليم الخبير بالنوايا بصير.
لما ذهب اعرابى مع رسول الله ﷺ في الجهاد فقسم له قسما من الفىء، قال الرجل: " ما على هذا تبعتك! " .. فحرر نيتك: علام اتبعتنا؟!
" والنية - أيها الحبيب - أصل العبادات، وبها يتميز الصحيح من السقيم، والخالص من غيره، وبالنية تتحدد منازل السالكين، ووجهة القاصدين، ومن يريد بها وجه الله تعالى، أو يريد السفر بأي نوع كالهجرة، إذ انها قد تكون لمصلحة دنيوية، أو دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، وبهذه النية يتحدد الإخلاص الذي به يؤجر المرء على متاعب الطريق، وبه يستعذب العذاب، وبه تهون مشاق الطريق.
والإخلاص وحده يقود إلى شفافية القلب، وصفاء الوجدان، لأن المؤمن لا يفكر بعده الا في عظمة ربه ولا يتوجه الا إلى خالقه .. فلا يضيره متاعب المثبطين، ولا نداء المرجفين، ولا يقعده فتور الهابطين ".
يقول ابن القيم - عليه رحمة الله -:
" فالإخلاص سبيل الخلاص، والاسلام هو مركب السلامة، والايمان شاطىء الامان ".
[ ٢٨ ]
فاذا تحددت وجهتك - أيها السائر - وعلم مقصدك بتوحيدين هما: توحيد القصد وتوحيد المقصود، فالمقصود هو الله ﷾، والقصد ارادة وجهه الكريم .. اذا تحددت وجهتك هذه وعلم مقصدك هذا فقد استرحت في هذه السفرة .. وسيتبين لك ذلك حين نذكر فيما بعد أن المشغبين كثير، والسبل مدلهمة، والعوارض تفتر العزائم .. فاذا حصل توحيد القصد وتوحيد المقصود لم يلتفت إلى الاغيار.
فالنية - أخى السائر - النية .. النية بداية الطريق .. فطهر قلبك لتستعد للسفر.