لعل أقرب أمر يعين الإنسان على الصبر ويحمل النفس عليه هو تصوّر الحياة التي يعيش فيها، ومعرفتها على حقيقتها وواقعها، فهي ليست جنة نعيم، ولا دار مُقامة، إنما ممرّ ابتلاء وتكليف؛ لذلك فالكَيِّس الفطن لا يفاجأ بكوارثها، فالشيء من معدنه لا يستغرب.
ولله دَرُّ القائل:
إن لله عبادًا فُطَنا طلقوا الدنيا وخافوا الفِتَنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحيٍّ وَطَنا
جعلوها لُجَّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفُنا
ورب العالمين يشير إلى أن حياة الإنسان محفوفة بالمخاطر مملوءة بالمتاعب في قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (١).
_________________
(١) سورة البلد، الآية: ٤.
[ ٧٨ ]
فها هي الدنيا كما وصفت لا تستقيم على حال، ولا يقر لها قرار، فيوم لك وآخر عليك، قال تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١).
وقد أحسن أبو البقاء الرندي القائل:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغرّ بطيب العيش إنسان
هي الأيام كما شاهدتها دول من سره زمان ساءته أزمان
وليعلم العبد الصالح أنه لو فتش العالم لم يجد إلا مبتلى: إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأن سرور الدنيا أحلام نائم، وظل زائل، وسحابة صيف، إن أضحكت قليلًا أبكت كثيرًا، وإن سرّت يومًا أساءت دهرًا، وإن متّعت قليلًا، منعت طويلًا.