أمر الله نبيه بإنذار عشيرته الأقربين، فقال - ﷿ -: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
فقام رسول الله - ﷺ - بتنفيذ أمر ربه بالجهر بالدعوة والصدع بها، وإنذار عشيرته، فوقف مواقف حكيمة أظهر الله بها الدعوة الإسلامية، وبيّن بها حكمة النبي - ﷺ - وشجاعته، وصبره وإخلاصه لله رب العالمين، وقمع بها الشرك وأهله، وأذلهم إلى يوم الدين.
عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي - ﷺ - على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب، وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالو:
_________________
(١) سورة الشعراء، الآيات: ٢١٤ - ٢١٦.
[ ٣٣ ]
نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ (١).
وفي رواية لأبي هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - ناداهم بطنًا بطنًا، ويقول لكل بطن: «أنقذوا أنفسكم من النار »، ثم قال: «يا فاطمة أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلُّها ببلالها» (٢).
وهذه الصيحة العالمية غاية البلاغ، وغاية الإنذار، فقد أوضح - ﷺ - لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأوضح أن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار، الذي جاء من عند الله تعالى، فقد دعا - ﷺ - قومه - في هذا الموقف العظيم - إلى الإسلام، ونهاهم عن عبادة الأوثان، ورغّبهم في الجنة، وحذّرهم من النار، وقد ماجت مكة بالغرابة والاستنكار، واستعدّت لحسم هذه الصرخة العظيمة التي ستزلزل عاداتها وتقاليدها وموروثاتها الجاهلية؛ ولكن الرسول الكريم - ﷺ - لم يضرب لصرخاتهم حسابًا؛ لأنه مرسل من الله - ﷿ -، ولابدَّ أن يُبلِّغ البلاغ المبين عن رب العالمين، حتى ولو
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، باب وأنذر عشيرتك الأقربين، ٨/ ٥٠١، برقم ٤٧٧٠، ومسلم بنحوه في كتاب الإيمان، باب قوله: وأنذر عشيرتك الأقربين، ١/ ١٩٤، برقم ٢٠٨، والآيتان من سورة المسد: ١ - ٢.
(٢) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة الشعراء، باب وأنذر عشيرتك الأقربين، ٨/ ٥٠١، برقم ٤٧٧١، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: وأنذر عشيرتك الأقربين، ١/ ١٩٢، برقم ٢٠٤، واللفظ له.
[ ٣٤ ]
خالفه أو ردّ دعوته جميع العالمين، وقد فعل - ﷺ - (١).
استمرّ - ﷺ - يدعو إلى الله - تعالى - ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهرًاً، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يردّه عن ذلك رادّ، ولا يصدّه عن ذلك صادّ، استمر يتتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من: حرٍّ وعبدٍ، وقويٍّ وضعيفٍ، وغنيٍّ وفقيرٍ، جميع الخلق عنده في ذلك سواء.
وقد تسلط عليه وعلى من اتبعه الأشدَّاء الأقوياء من مشركي قريش بالأذيَّة القوليَّة والفعليَّة، وانفجرت مكة بمشاعر الغضب لأنها لا تريد أن تفارق عبادة الأصنام والأوثان (٢)، ومع ذلك لم يفتر محمد - ﷺ - في دعوته، ولم يترك العناية والتربية الخاصة لأولئك الذين دخلوا في الإسلام، فقد كان يجتمع بالمسلمين في بيوتهم على شكل أُسرٍ بعيدة عن أعين قريش، وتتكوّن هذه الأسر من الأبطال الذين عقد عليهم رسول الله - ﷺ - الأمل بعد الله - تعالى - في حمل العبء والمهامّ الجسيمة لنشر الإسلام، وبذلك تكوّنت طبقة خاصة من المؤمنين الأوائل قوية في إيمانها، متينة في عقيدتها، مدركة لمسئوليتها، منقادة لأمر ربها، طائعة لقائدها، مطبقة لكل أمر يصدر عنه برغبة وشوق واندفاع لا يعادله اندفاع، وحب لا يساويه حب.
_________________
(١) انظر: الرحيق المختوم، ص٧٨، وفقه السيرة، لمحمد الغزالي، ص١٠١، ١٠٢، والسيرة النبوية، دروس وعبر لمصطفى السباعي، ص٤٧.
(٢) البداية والنهاية، ٣/ ٤٠.
[ ٣٥ ]
وبهذه المواقف الحكيمة، والتربية الصالحة المتينة استطاع محمد - ﷺ - أن يؤدِّي الأمانة، ويبلّغ الرسالة، وينصح الأمة، ويجاهد في الله حقّ جهاده، ويرسم لنا طريقًا نسير عليه في دعوتنا وعملنا وسلوكنا، فهو قدوتنا وإمامنا الذي نسير على هديه، ونستنير بحِكَمِهِ - ﷺ -.
فقد بدأ الدعوة بعناصر اختارها وربّاها، فلبّت الدعوة، وآمنت به، وكانت دعوته عامة للناس، وأثناء هذه الدعوة يركّز على من يجد عندهم الإمكانات أو يتوقع منهم ذلك، وقد تكوَّن من هذه العناصر نواة القاعدة الصلبة التي ثبتت عليها أركان الدعوة (١).
ومع هذا الجهد المبارك العظيم لم يلجأ رسول الله - ﷺ - إلى الاغتيال السياسي، ولم يتخلَّص بالاغتيال من أفراد بأعيانهم، وكان بإمكانه ذلك وبكل يسر وسهولة، إذ كان يستطيع أن يكلف أحد الصحابة بقتل بعض قادة الكفر: كالوليد بن المغيرة المخزومي، أو العاص بن وائل السهمي، أو أبي جهل عمرو بن هشام، أو أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب، أو النضر بن الحارث، أو عقبة بن أبي معيط، أو أُبّي بن خلف، أو أُمية بن خلف ،وهؤلاء هم من أشدّ الناس أذيّة لرسول الله - ﷺ -،فلم يأمر أحدًا من أصحابه باغتيال أحد منهم أو غيرهم من أعداء الإسلام؛ فإن مثل هذا الفعل قد يُوْدي بالجماعة الإسلامية كاملة، أو يعرقل مسيرتها مدة ليست باليسيرة، كردّ فعل من أعداء الإسلام الذين يتكالبون على حربه، والنبي - ﷺ - لم يؤمر في هذه المرحلة باغتيالهم؛ لأن الذي أرسله هو أحكم الحاكمين.
_________________
(١) التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، ٢/ ٦٥.
[ ٣٦ ]
وعلى هذا يجب أن يسير الدعاة إلى الله فوق كل أرض، وتحت كل سماء، وفي كل وقت، يجب أن تكون الدعوة على حسب المنهج الذي سار عليه رسول الله - ﷺ - سواء كان ذلك قبل الهجرة أو بعدها، فطريق الدعوة الصحيح هو هديه والتزام أخلاقه وحكمه وتصرفاته على حسب ما أرادها - ﷺ - (١).