في شوال، من السنة العاشرة بعد النبوة، خرج النبي - ﷺ - إلى الطائف لعله يجد في ثقيف حسن الإصغاء لدعوته والانتصار لها، وكان معه زيد بن حارثة مولاه، وكان في طريقه كلما مرَّ على قبيلة دعاهم إلى الإسلام، فلم تُجِبْه واحدة منها.
عندما وصل إلى الطائف عمد إلى رؤسائها فجلس إليهم، ودعاهم إلى الإسلام، فردوا عليه ردًا قبيحًا، وأقام رسول الله - ﷺ - بين أهل الطائف عشرة أيام، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا: اخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فلما أراد الخروج تبعه هؤلاء السفهاء واجتمعوا عليه صَفَّين يرمونه بالحجارة، وبكلمات من السَّفه، ورجموا عراقيبه حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة - ﵁ - يقيه بنفسه حتى أصابه شجاج في رأسه، ورجع رسول الله - ﷺ - من الطائف إلى مكة محزونًا، كسير القلب، وفي طريقه إلى مكة أرسل الله إليه جبريل ومعه ملك الجبال يستأمره أن يطبق الأخشبَيْن على أهل مكة،
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣١، والرحيق المختوم، ص١١٣.
[ ٤٩ ]
وهما جبلاها اللذان هي بينهما (١).
عن عائشة ﵂ أنها قالت لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك [ما لقيت]، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال (٢)، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أسْتَفِق إلا بقرن الثعالب (٣)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني: فقال: إن الله - ﷿ - قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك فما شئت (٤)؟ إن شئت أن أُطْبِق عليهم الأخشبين». فقال له رسول الله - ﷺ -: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (٥).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣١، والرحيق المختوم، ص١٢٢، وهذا الحبيب يا محبّ، ص١٣٢، والبداية والنهاية، ٣/ ١٣٥.
(٢) ابن عبد ياليل بن كلال من أكابر أهل الطائف من ثقيف. الفتح، ٦/ ٣١٥.
(٣) وهو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل، ويعرف الآن بالسيل الكبير. انظر: الفتح، ٦/ ٣١٥.
(٤) استفهام، أي: فأمرني بما شئت. انظر: فتح الباري، ٦/ ٣١٦.
(٥) البخاري مع الفتح في كتاب بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، ٦/ ٣١٢، برقم ٣٢٣١، ومسلم بلفظه في كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين، ٣/ ١٤٢٠، برقم ١٧٩٥، وما بين المعقوفين من البخاري دون مسلم.
[ ٥٠ ]
وفي هذا الجواب الذي أدلى به رسول الله - ﷺ - تتجلى شخصيته الفذة، وما كان عليه من الخلق العظيم الذي أمدّه الله به.
وفي ذلك بيان شفقته على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهذا موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (٢). فصلوات الله وسلامه عليه (٣).
وأقام - ﷺ - بنخلة أيامًا، وصمّم على الرجوع إلى مكة، وعلى القيام باستئناف خطته الأولى في عرض الإسلام، وإبلاغ رسالة الله الخالدة، بنشاط جديد، وجدٍّ وحماسٍ، وحينئذ قال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فَرُوي عنه (٤) أنه قال: «يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه».
ثم سار حتى وصل إلى مكة فأرسل رجل من خزاعة إلى مطعم بن عدي ليدخل في جواره، فقال مطعم: نعم، ودعا بنيه وقومه فقال: البسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدًا، فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المُطْعمُ بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش إني قد أجرت محمدًا فلا يهجه أحد منكم، فانتهى رسول الله - ﷺ - إلى الركن فاستلمه وصلى
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٥٩.
(٢) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧.
(٣) انظر: البخاري مع الفتح، ٦/ ٣١٦، والرحيق المختوم، ص١٢٤.
(٤) انظر: زاد المعاد، لابن القيم، ٣/ ٣٣.
[ ٥١ ]
ركعتين، وانصرف إلى بيته، والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١).
وفي هذه المواقف العظيمة التي وقفها النبي - ﷺ - في رحلته إلى الطائف دليل واضح على تصميمه الجازم في الاستمرار في دعوته، وعدم اليأس من استجابة الناس لها، وبَحَثَ عن ميدان جديد للدعوة، بعد أن قامت الحواجز دونها في الميدان الأول.
وفي ذلك دليل على أن النبي - ﷺ - كان أستاذًا في الحكمة، وذلك؛ لأنه حينما قدم الطائف اختار الرؤساء وسادة ثقيف في الطائف وقد علم أنهم إذا أجابوه أجابت كل قبائل أهل الطائف.
وفي سيل الدماء من قدمي النبي - ﷺ - وهو النبي الكريم - أكبر مثل لما يتحمله الداعية في سبيل الله من أذى واضطهاد.
وفي عدم دعائه على قومه، وعلى أهل الطائف، وعدم موافقة ملك الجبال في إطباق الأخْشَبيْن على أهل مكة أكبر مثل لما يتحمله الداعية في صبره على من ردّ دعوته، وعدم اليأس من هدايتهم، فربما يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا.
ومن حكمته - ﷺ - أنه لم يدخل مكة إلا بعد أن دخل في جوار المُطْعم بن عدي، وهكذا ينبغي للداعية أن يبحث عمن يحميه من كيد أعدائه؛
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ٣٣، وسيرة ابن هشام، ٢/ ٢٨، والبداية والنهاية، ٣/ ١٣٧، والرحيق المختوم، ص١٢٥.
[ ٥٢ ]
ليقوم بدعوته على الوجه المطلوب (١).