رأت قريش أن تجرّب أسلوبًا آخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد - ﷺ - تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذِّره مغبّة هذا التأييد والنصر لمحمد - ﷺ -، وتطلب منه أن يكف عنها محمدًا ودينه (٢).
جاءت سادات قريش إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه، وإنا والله لا نصبر على هذا، مِنْ: شَتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى نكفَّه عنا، أو ننازله وإيَّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين.
فعظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، وعظم عليه فراق قومه وعداوته لهم، ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله - ﷺ - لهم، ولا خذلانه، فبعث إلى رسول الله - ﷺ - فقال له: يا ابن أخي، إن قومك جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبقِ عليّ وعلى
_________________
(١) انظر: التاريخ الإسلامي، لمحمود شاكر، ٢/ ٦٥.
(٢) انظر: البداية والنهاية لابن كثير، ٣/ ٤١، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، ص١١٢.
[ ٣٧ ]
نفسك، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك.
فثبت النبي - ﷺ - على دعوته إلى الله، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأنه على الحق، ويعلم بأن الله سينصر دينه ويعلي كلمته، وعندما رأى أبو طالب هذا الثبات ويئس من موافقة النبي - ﷺ - لقريش على ترك دعوته إلى التوحيد قال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أُوسَّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وأبشر وقرّ بذاك منك عيونا (١)