من مواقفه في الشجاعة أيضًا، وصبره على أذى قومه ما فعله - ﷺ - في غزوة أحد، فقد كان يقاتل قتالًا عظيمًا؛ فإن الدولة كانت أول النهار للمسلمين على المشركين، فانهزم أعداء الله وولَّوا مدبرين حتى انتهوا إلى نسائهم، فلما رأى الرماة هزيمتهم تركوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله - ﷺ - بحفظه، وذلك أنهم ظنوا أنه ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وتركوا الجبل فكرّ فرسان المشركين فوجدوا الثغر خاليًا قد خلا من الرُّماة فجازوا منه، وتمكنوا حتى أقبل آخرهم فأحاطوا بالمسلمين، فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وهم سبعون، وتولَّى الصحابة،
_________________
(١) انظر: البداية والنهاية، ٣/ ٢٧٨.
(٢) أخرجه أحمد في المسند، ١/ ٨٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ١٤٣.
(٣) الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي،٢/ ١٤٣،وعزاه ابن كثير في البداية والنهاية،٣/ ٢٧٩،إلى النسائي.
[ ٦٢ ]
وخلص المشركون إلى رسول الله - ﷺ - فجرحوا وجهه، وكسروا رباعيَّته اليمنى، وكانت السفلى، وهشموا البيضة على رأسه، وقاتل الصحابة دفاعًا عن رسول الله - ﷺ - (١).
وكان حول النبي - ﷺ - رجلان من قريش، وسبعة من الأنصار، فقال - ﷺ - لما رهقوه، وقربوا منه: «من يردّهم عنَّا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة»، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِلَ، ثم رهقوه أيضًا فقال: «من يردّهم عنَّا وله الجنة»،فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِلَ، فلم يزل كذلك حتى قُتِلَ السبعة، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه: «ما أنصفنا أصحابنا» (٢).
وعندما اجتمع المسلمون، ونهضوا مع النبي - ﷺ - إلى الشعب الذي نزل فيه، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعلي، والحارث بن الصّمة الأنصاري وغيرهم، فلما استندوا إلى الجبل أدرك رسولَ الله - ﷺ - أُبَيُّ بن خلف، وهو على جواد له، ويقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا؟ فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا، فأمرهم رسول الله - ﷺ - بتركه، فلما دنا منه تناول رسول الله - ﷺ - الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه انتفض انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله وأبصر ترقوته من فرجةٍ بين سابغة الدرع والبيضة، فطعنه فيها طعنة تدحرج منها عن فرسه مرارًا، فلما رجع عدو الله إلى قريش وقد خدشه في عنقه خدشًا غير كبير قال: قتلني والله محمد، فقالوا له: ذهب والله فؤادك والله إن بك من بأس، قال: إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق
_________________
(١) انظر: زاد المعاد، ٣/ ١٩٦، ١٩٩، والرحيق المختوم، ص٢٥٥، ٢٥٦.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، ٣/ ١٤١٥، برقم ١٧٨٩.
[ ٦٣ ]
عليَّ لقتلني، فمات عدو الله بسرف، وهم قافلون إلى مكة (١).