كانت هذه الشواهد السابقة لشجاعته القلبية، أما شجاعته العقلية فسأكتفي بشاهدٍ واحدٍ؛ فإنه يكفي عن ألف شاهد ويزيد، وهو موقفه من تعنّت سهيل بن عمرو، وهو يملي وثيقة صلح الحديبية، إذْ تنازل - ﷺ - عن كلمة «بسم الله الرحمن الرحيم» إلى باسمك اللهم، وعن كلمة
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء، وما يكره من البخل، ١٠/ ٤٥٥، برقم ٢٩٠٨، ومسلم، كتاب الفضائل، باب في شجاعة النبي - ﷺ - وتقدمه للحرب، ٤/ ١٨٠٢، برقم ٢٣٠٧.
(٢) انظر: رواية علي بن أبي طالب في شجاعة النبي - ﷺ - في مسند أحمد ١/ ٨٦، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، ٢/ ١٤٣.
(٣) أخرجه مسلم، ٣/ ١٤٠١، برقم ١٧٧٦، وتقدم تخريجه.
(٤) انظر: البخاري، برقم ٢٩٠٨، ومسلم، برقم ٢٣٠٧، وتقدم تخريجه.
[ ٦٧ ]
«محمد رسول الله» إلى كلمة: محمد بن عبد الله، وقبوله شرط سهيل على أن لا يأتي النبي - ﷺ - رجل من قريش حتى ولو كان مسلمًا إلاّ ردّه إلى أهل مكة، وقد استشاط الصحابة غيظًا، وبلغ الغضب حدًّا لا مزيد عليه، وهو - ﷺ - صابر ثابت حتى انتهت الوثيقة، وكان بعد أيام فتحًا مبينًا.
فضرب - ﷺ - بذلك المثل الأعلى في الشجاعتين: القلبية، والعقلية، مع بُعد النظر، وأصالة الرأي، وإصابته؛ فإن من الحكمة أن يتنازل الداعية عن أشياء لا تضرّه بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها (١).
وجميع ما تقدم من نماذج من شجاعته - ﷺ - وثباته، وهذا نقطة من بحر، وإلا فإنه لو كُتِبَ في شجاعته - ﷺ - بالاستقصاء لكُتِبَ مجلدات، فيجب على كل مسلم، وخاصة الدعاة إلى الله - ﷿ - أن يتخذوا الرسول - ﷺ - قدوةًَ في كل أحوالهم وتصرفاتهم، وبذلك يحصل الفوز والنجاح، والسعادة في الدنيا والآخرة، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثِيرًا﴾ (٢).