لقي النبي - ﷺ - أشدّ الأذى، ووصل الأمر إلى تغيير اسمه - ﷺ - احتقارًا له ولدينه، وحسدًا وبُغضًا له، فقد كان المشركون من قريش من شدة كراهتهم للنبي - ﷺ - لا يُسمّونه باسمه الدال على المدح فيعدلون إلى ضده، فيقولون: مُذمَّم، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فعل الله بمذمم، ومذمم ليس هو اسمه ولا يعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفًا إلى غيره بحمد الله تعالى (٢).
قال النبي - ﷺ -: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش، ولعنهم؟! يشتمون مذممًا، ويلعنون مُذممًا، وأنا محمد» (٣).
_________________
(١) البخاري مع الفتح في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ٦/ ٦١٩، برقم ٣٦١٢، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين بمكة، ٧/ ١٦٤، برقم٣٨٥٢، وفي كتاب الإكراه، باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر، ١٢/ ٣١٥، برقم ٦٩٤٣، واللفظ من كتاب الإكراه، وما بين المعقوفين من مناقب الأنصار.
(٢) انظر: فتح الباري، ٦/ ٥٥٨.
(٣) البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ -، ٦/ ٥٥٤، برقم ٣٥٣٣.
[ ٤٥ ]
والنبي - ﷺ - له خمسة أسماء ليس منها مُذَمَم (١).
جاءت أم جميل زوجة أبي لهب - حين سمعت ما أنزل الله فيها وفي زوجها من القرآن - إلى رسول الله - ﷺ - وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها ملء الكف من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله - ﷺ - فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر! أين صاحبك؟ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة، ثم قالت:
مُذَممًا عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا (٢)
استمر المشركون في إلحاق الأذى برسول الله - ﷺ - وبأصحابه الذين أسلموا وبعد أن زاد عدد المسلمين وكثر ازداد حنق المشركين على المسلمين، وبسطوا إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء، ولما رأى رسول الله - ﷺ - ذلك، ورأى أنه في حماية الله ثم عمه أبي طالب، وهو لا يستطيع أن يمنع المسلمين مما هم فيه من العذاب - فقد مات منهم من مات، وعُذّب من عُذّب حتى عمي وهو تحت العذاب - فأذن رسول الله لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا، وأربع نسوة، ورئيسهم عثمان بن عفان - ﵁ -، ذهبوا فوفَّق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وكان ذلك في رجب، في السنة الخامسة من البعثة، وخرجت قريش في
_________________
(١) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله - ﷺ - ٦/ ٥٥٤،برقم ٣٥٣٢.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام،١/ ٣٧٨،ومعنى قولها: قلينا: أي أبغضنا. انظر: تفسير ابن كثير، ٤/ ٥٢٣.
[ ٤٦ ]
آثارهم حتى جاءوا البحر فلم يدركوا منهم أحدًا، ثم بلغ هؤلاء المهاجرين أن قريشًا قد كفّوا عن النبي - ﷺ - فرجعوا إلى مكة من الحبشة، وقبل وصولهم مكة بساعة من نهار بلغهم أن الخبر كذب، وأن قريشًا أشد ما كانوا عداوة لرسول الله - ﷺ - فدخل من دخل مكة بجوار، وكان من الداخلين ابن مسعود - ﵁ -، ووجد أن ما بلغهم من إسلام أهل مكة كان باطلًا، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار - كابن مسعود -أو مستخفيًا، ثم اشتد البلاء من قريش على من دخل مكة من المهاجرين وغيرهم، ولقوا منهم أذىً شديدًا، فأذن لهم رسول الله - ﷺ - في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية، وكان عدد من خرج في هذه المرة الثانية ثلاثة وثمانين رجلًا، إن كان فيهم عمار بن ياسر، ومن النساء تسع عشرة امرأة، فكان المهاجرون في مملكة أصحمة النجاشي آمنين، فلما علمت قريش بذلك أرسلت للنجاشي بهدايا وتحف ليردّهم عليهم، فمنع ذلك عليهم، ورد عليهم هداياهم، وبقي المهاجرون في الحبشة آمنين حتى قدموا إلى رسول الله - ﷺ - عام خيبر (١).