لقد جعل الله - ﷾ - العاقبة للمتقين، وكتب لهم التمكين في الأرض؛ ليكون الدين كله لله، ولكن هذه المنزلة لن يبلغها المؤمنون بين عشيةٍ وضحاها.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ (٤).
متى نصر الله؟ استبطاءً له، واستعجالًا لمجيئه؛ هنالك يجيء الغوث للملهوف، والفرج للمكروب، فتفرح القلوب - ألا إن نصر الله قريب.
_________________
(١) سورة الأعراف، الآيتان: ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) الهادر: هدر البعير هدرًا، أي ردد صوته في حنجرته، ويضرب لمن يصيح ويجلب. القاموس المحيط، (هدر).
(٣) سورة الأعراف، الآيتان: ١٢٥ - ١٢٦.
(٤) سورة البقرة، الآية: ٢١٤.
[ ٢٧ ]
وليعلم المسلم أن في تأخير الفرج لطائف وأسرارًا، منها:
١ - أن الكرب كلما اشتدّ كان الفرج قريبًا كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١).
٢ - أن الكرب كلما اشتدّ وجد اليأس من كشفه من جهة المخلوق، وازداد التعلق بالخالق حتى يصل العبد إلى محض التوكل الذي هو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢).
٣ - أن الكرب كلما اشتدّ فإن العبد حينئذ يحتاج إلى زيادة مجاهدة الشيطان لأنه يأتيه فيقنِّطه، ويسخِّطه، فيحتاج العبد إلى مجاهدته ودفعه، فيحوز ثواب مجاهدة عدوّه ودفعه.
ولهذا قال النبي - ﷺ -: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي فَيَدع الدعاء» (٣).
واعلم أخا الإيمان أن المؤمن كلما استبطأ الفرج واستيأس منه ولاسيما بعد كثرة الدعاء وإلحاح التضرع ولم تظهر له إجابة رجع إلى نفسه
_________________
(١) سورة يوسف، الآية: ١١٠.
(٢) سورة الطلاق، الآية: ٣.
(٣) متفق عليه: البخاري، كتاب الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل، برقم ٦٣٤٠، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي، برقم ٢٧٣٥.
[ ٢٨ ]
يلومها، قائلًا: إنما أُتيتُ من قِبَلِكِ.
وهذا اللّوم أحبّ إلى الله من أكثر الطاعات لأنه يورث انكسار العبد الصالح لربِّه، فلذلك يسرع إليه الفرج ويتواثب إليه اليسر؛ لأن الله يجبر المنكسرة قلوبهم لأجله، وعلى قدر الكسر يكون الجبر.
قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ الله قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (١).