الله - ﷾ - هو الذي منح الإنسان الحياة؛ فخلقه من عدم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فهو ملك لله أولًا وآخرًا، لذلك فإذا نزل بالعبد نازل سلبه شيئًا مما عنده، فإنما استردّ صاحب الملك بعض ما وهب، ولا ينبغي للمودَع أن يسخط على صاحب العارية إذا استردَّها.
وصدق لبيد بن ربيعة - ﵁ - القائل:
وما المالُ والأَهلون إلا ودائعٌ ولابدّ يومًا أن تُردَّ الودائع
وفي قصة أم سُلَيم مع زوجها أبي طلحة دليل واضح على فهم السلف الصالح - رضوان الله عليهم - لهذه الحقيقة حيث عرفوا أنفسهم فعرفوا مقام ربهم وقدَّروه حقَّ قدره.
_________________
(١) سورة العنكبوت، الآيتان: ٥٨ - ٥٩.
(٢) سورة النحل، الآية: ٩٦.
(٣) سورة الزمر، الآية: ١٠.
[ ٨٠ ]
عن أنس - ﵁ - قال: مات ابنٌ لأبي طلحة من أم سُلَيم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه.
قال: فجاء فَقَرَّبَتْ إليه عشاءً فأكل وشرب، قال: ثم تَصَنَّعتْ له أحسن ما كان تصنَّعُ قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها.
قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟
قال: لا.
قالت: فاحتسب ابنك.
قال: فغضب، وقال: تركتِني حتى تلطَّختُ ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما كان.
فقال رسول الله - ﷺ -: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما».
قال: فحملت، قال: فكان رسول الله - ﷺ - في سفر وهي معه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طُرُوقًا فدنوا من المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله - ﷺ -.
قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى.
قال: تقول أم سُلَيم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد انطلق، فانطلقنا.
قال: فضربها المخاض حين قدما فولدت غلامًا.
فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله - ﷺ -، فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله - ﷺ - قال: فصادفته
[ ٨١ ]
ومعه ميسم فلما رآني قال: «لعل أم سُلَيم ولدت».
قلت: نعم، فوضع الميسم. وقال: وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله - ﷺ - بعجوة من عجوة المدينة فَلاكَها في فيه حتى ذابت ثم قَذَفَها في الصبي يتلمظها. قال: فقال رسول الله - ﷺ -: «انظروا إلى حُبِّ الأنصار التَّمْر».
قال: فمسح وجهه وسمّاه «عبد الله».
[قال سفيان: قال رجل من الأنصار: فرأيت لهما تسعة أولاد كلهم قد قرأ القرآن] (١).
وهذه المعاني قبس من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ (٢).
هذه الكلمة الطيبة تتضمن أصلين عظيمين إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلّى عن مصيبته:
١ - أن العبد وأهله وماله ملك لله - ﷿ - حقيقة.
٢ - أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق ليوفيه حسابه.
فإذا كانت هذه بداية العبد وما خوِّله ونهايته، فكيف يفرح بموجود أو يأسى على مفقود؟ ففكره في مبدئه ومعاده أعظم معين على التحلِّي بالصبر عند الشدائد والمصائب والمحن والفتن، فاللهم ثبتنا بالقول
_________________
(١) البخاري مع الفتح، كتاب الجنائز، باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة، برقم ١٣٠١، ٣/ ١٦٩، و٩/ ٥٨٧، ومسلم مع النووي، ١٦/ ١١، برقم ٢١٤٤، وما بين المعقوفين للبخاري الموضع الأول.
(٢) سورة البقرة، الآيتان: ١٥٥ - ١٥٦.
[ ٨٢ ]
الثابت في الحياة الدنيا والآخرة.