ثالثًا: الإيمان بالقدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يُخلق فلابد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء.
_________________
(١) انظر: الدعاء والعلاج بالرقى للمؤلف، ص١٢٧ - ١٣١؛ فإن فيه أدلة من الكتاب والسنة على علاج المصيبة ينبغي أن يستحضرها من أصيب بمصيبة، وانظر أيضًا: تبريد حرارة المصيبة للمؤلف.
(٢) انظر: تبريد حرارة المصيبة للمؤلف، وزاد المعاد، ٤/ ١٨٨ - ١٩٦.
[ ٩٥ ]
رابعًا: معرفة حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلابد له منه وإلا تضاعف عليه.
خامسًا: العلم بترتبها عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير﴾ (١).
فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم أسباب دفع تلك المصيبة.
قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: «ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة» (٢).
سادسًا: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِّ قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدي الحق.
سابعًا: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواءٌ نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلًا.
ثامنًا: أن يعلم أن في عُقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء
_________________
(١) سورة الشورى، الآية: ٣٠.
(٢) ذكره الإمام ابن القيم في طريق الهجرتين وباب السعادتين، ص٤٥٧ وبحثت عنه كثيرًا فلم أجد من خرجه.
[ ٩٦ ]
ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (١)، ﴿فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٢).
تاسعًا: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه؛ فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
عاشرًا: أن يعلم أن الله يربِّي عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال وقال: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٣).
فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر.
نسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنّه وكرمه (٤).
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١٦.
(٢) سورة النساء، الآية: ١٩.
(٣) أبو داود، كتاب الصلاة، باب الاستغفار، برقم ١٥٢٢، والنسائي، كتاب السهو، باب نوع آخر من الدعاء، برقم ١٣٠٢، والبخاري في الأدب المفرد، برقم ٦٩٠، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، ١/ ٢٨٤، وفي صحيح الأدب المفرد، برقم ٥٣٣.
(٤) انظر: كتاب طريق الهجرتين، وباب السعادتين لابن القيم، ص٤٤٨ - ٤٥٩، وانظر: زاد المعاد، له، ٤/ ١٨٨ - ١٩٦، وعدة الصابرين، له أيضًا، ص٧٦ - ٨٦.
[ ٩٧ ]