لا يشك العاقل أن نصر الله قريب، وفرجه آتٍ لا ريب فيه، وأن بعد الضيق سعة، ومع العسر يسرًا؛ لأن الله وعد بهذا، والله لا يخلف الميعاد.
هذا اليقين جدير أن يبدد ظلمة القلق، ويقهر شبح اليأس، ويضيء نفس المؤمن بنور الصبر الذي لا يخبو.
ولذلك ورد الصبر في كتاب الله مقرونًا بأن وعد الله حق كما في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (١).
وقوله جل شأنه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ (٢).
وقد وعد الله عباده الصابرين بقرب الفرج في صور، منها:
الأولى: الوعد بالسعة بعد الضيق، والرخاء بعد الشدة، واليسر بعد العسر، وفي هذا يقول جل وعلا: ﴿سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (٣).
ولم يكتف الخالق - ﷾ - أن جعل اليسر بعد العسر، بل جعله في موطن آخر معه وبصيغة التأكيد حيث قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ
_________________
(١) سورة الروم، الآية: ٦٠.
(٢) سورة غافر، الآية: ٥٥.
(٣) سورة الطلاق، الآية: ٧.
[ ٨٣ ]
الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (١).
وفي هذه الآيات يتجلى أمران:
١ - تحقق اليسر بعد العسر تحققًا قريبًا حتى كأنه معه ومتصل به، حتى لو دخل العسر جحر ضب لتبعه اليسر، ولن يغلب عُسرٌ يُسرَين.
٢ - إن مع العسر يسرًا بالفعل، ولكن قد يكون ملموسًا أو مكنونًا، ففي كل قدر لطف، وفي كل بلاء نعمة.
ولا يشكّ مؤمن عرف ربه وآمن به أن الله يُقدِّر ويلطف: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)؛ لأنه أعلم بمن خلق وأرحم بهم من أنفسهم: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣).
الثانية: الوعد بحسن العاقبة، والعبرة بالعواقب، والمدار على الخواتيم. قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤).
ولقد أحسن القائل:
اشتدّي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج
ولله درّ القائل:
ولرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعًا وعند الله منها المخرجُ
_________________
(١) سورة الشرح، الآيتان: ٥، ٦.
(٢) سورة يوسف، الآية: ١٠٠.
(٣) سورة الملك، الآية: ١٤.
(٤) سورة هود، الآية: ٤٩.
[ ٨٤ ]
ضاقت فلمّا استحكمتْ حلقاتُها فُرِجت وكنت أظنها لا تُفرَجُ
الثالثة: الوعد بحسن العوض عما فات، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي الله مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (١).