الهجرة عنصر أساسي من عناصر الأمة المسلمة، ولها أهميتها في استمرار عافيتها، والحفاظ عليها من عوامل المرض والوفاة. وتتمثل هذه الأهمية فيما يلي:
الأهمية الأولى، تخليص المؤمنين من العوز وعدم الأمن ثم إطلاق قدراتهم الدفاعية، والإنتاجية في أيام السلم والحرب سواء. وإلى هذه النتائج الهامة كانت الإشارة الإلهية عند قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] .
والمراغم هو المنعة والقوة، أو ما يرغم به المؤمنون المهاجرون ظالميهم على مسالمتهم ويردعونهم عن العدوان عليهم. والسعة هي الغنى وسعة العيش. ويتكرر الحديث عن أهمية الهجرة في توفير المنعة، والإنجاز الحضاري في مواضع عديدة من القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١] .
[ ٢٣٩ ]
ونظرا لأهمية الهجرة في توفير المنعة، وإطلاق القدرات وتوفير الإنجازات أدان الله سبحانه المتقاعسين عن الهجرة، وتوعدهم بالعذاب. من ذلك قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] .
ويروي المفسرون عن عبد الله بن عباس أن ناسا من المسلمين لم يهاجروا فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت الآية١.
ولقد استمرت الهجرة عاملا أساسيا في قوة حركات الإصلاح التي نجحت في إخراج العالم الإسلامي من ضعفه -في فترات متقطعة، وفي أماكن مختلفة- مثل الحركة التي أخرجت جيل صلاح الدين في المشرق، والحركة التي أخرجت جيل المرابطين في المغرب. فقد هجرت الأولى "فقه" السلاطين، و"ثقافة" النفاق اللذين ضربا مجتمع الخلافة في بغداد ثم انسحبت إلى المهجر الذي نما، وامتد حتى شمل المنطقة الواقعة ما بين الموصل وشمال سوريا في الشمال، وبين مصر والحجاز في الجنوب. كذلك اتخذت الثانية لها مهجرا في غرب أفريقيا، ثم خرجت قوة ردت العافية للمغرب والأندلس لقرون٢.
والأهمية الثانية، هي إن الهجرة -بمعناها النفسي والحسي- تنسجم مع حقيقة من الحقائق الكبرى التي يطرحها الإسلام عن الوجود. وهذه
_________________
(١) ١ ابن كثير، التفسير، نقلًا عن صحيح البخاري. ٢ للاطلاع على تفاصيل الحركة الأولى راجع كتاب -هكذا ظهر جيل صلاح الدين- للمؤلف.
[ ٢٤٠ ]
الحقيقة هي -استمرارية الخلق- أي أن هذا الكون ما زال يخلق: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] . واستمرارية الخلق هذه ترفد الحياة دائما بالجديد من الأفكار والأشخاص والأشياء. والكائنات الجديدة تفرز -علاقات جديدة. والعلاقات الجديدة تتطلب -قيما جديدة- تترجم إلى نظم ومؤسسات، وسياسات جديدة: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] . والذين لا يعون استمرارية الخلق وما ينتج عنها من تجدد في الشئون، والعلاقات والقيم والتطبيقات لا يفقهون مضمون الهجرة المطلوبة، ويقلعون في الاتجاه المعاكس للتاريخ فيرتدون إلى الآبائية ويسقطون في التخلف، ويلفهم اللبس والحيرة والاضطراب، وينتهون إلى البوار: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق: ١٥] .
والأهمية الثالثة، هي أن الهجرة بمعناها الشامل حركة تجديد مستمر، وعامل من عوامل قوة الأمة الفكرية والمادية؛ لأنها تجتذب حول "المثل الأعلى" الذي تطرحه الرسالة الإسلامية العناصر الصالحة المتفوقة من كل جيل من البشرية كلها لتلتقي حول أسمى الغايات، وتتعاون لإنجاز أرقى الحضارات. ومن المحزن أن لا يبرز "فقه وفقهاء للجنسية والمواطنة" القائمة على مفهوم الهجرة هذا في الوقت الذي نشاهد أثر قوانين الهجرة -التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية- في تجميع العناصر ذات الكفاءات العالية من أقطار الأرض كلها، ثم إطلاق قدراتها وإرادتها لما فيه قوة الولايات المتحدة، واحتلالها مكان الصدارة في العالم كله.
ومن الموضوعية أن نقول: أنه في الوقت الذي يعجز العقل الإسلامي المعاصر عن شهود مراد الوحي في -العلاقة بين استمرارية الخلق، والهجرة وتجدد عافية الأمم- فإن الفكر الغربي المعاصر قد شهد هذه الحقيقة ونظم حياته طبقا لها، وإن كانت العلاقات السلبية التي قامت بين المفكرين، وبين الكنيسة جعلتهم -على المستوى العقائدي- يتنكرون لفكرة الخلق ويستدلونها بفكرة "النشوء والارتقاء والتطور" أي الاعتقاد بأن الكون ينشأ
[ ٢٤١ ]
ويرتقي ويتطور من نفسه دون اعتبار لقوة الله المسيرة للنشأة والترقي والتطور، وهكذا ظهر عند الغربيين ما يسمى بنظرية التطور evolution، ونظرية الخلق Creationism.
ولكن من الإنصاف أن نقول أن العقل الإسلامي في الماضي لم يكن غائبا دائما عن أهمية الهجرة واستمراريتها. فهذا ابن تيمية يعلق على الآية التي قدمناها كإطار لعناصر الأمة المسلمة، ويذكر أن المؤمنين الذين ذكرتهم الآية صنفان: المهاجرون الذين هاجروا إلى المدينة من بلادهم، والأنصار الذين استقبلوهم. ومن لم يهاجر من الأعراب لهم حكم آخر. وآخرون كانوا ممنوعين من الهجرة لمنع أكابرهم لهم. فكل هذه الأنواع حكمهم باق إلى يوم القيامة في أشباههم ونظائرهم. وأضاف أن معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ هو إشارة إلى من تبع هذا المنهاج إلى يوم القيامة١.
ولكن الآبائية التي تستمد جذورها من ثقافة العصبية القبلية كانت دائما تطلي حرانها بطلاء إسلامي فترفض الهجرة والتجدد، وتشن إرهابا فكريا على العقول المجددة، وتغري الحاكمين بأصحابها، فتجهز عليهم وتحرم الأمة من ثمرات اجتهادهم.
والأهمية الرابعة، هي أن الهجرة النفسية والفكرية ضرورة من ضرورات وحدة الجبهة الداخلية في الأمة المسلمة. إذ يقوم جوهر هذه الهجرة على هجر -الأفراد المؤمنين- لمعتقداتهم وثقافاتهم، وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم السابقة المتناقضة المفرقة ليحل محلها عقيدة واحدة، وثقافة واحدة، ونظام قيم واحد تتفرع عنه عادات، وتقاليد وممارسات واحدة يكون من ثمارها رص الصفوف وتجانس السلوك، واتفاق الكلمة وتنسيق المقدرات.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، الفتاوى، كتاب التصوف، جـ١١، ص٣٩.
[ ٢٤٢ ]
ولقد أدركت الدول المتقدمة في العصر الحديث -خاصة الولايات المتحدة- أهمية هذه الهجرة النفسية في بناء الجبهة الداخلية. ولذلك جعلتها من الأصول التي يقوم عليها نظام التربية فيها، وأطلقت عليها اسم -البوتقة الصاهرة- Melting Pot -وحشدت لها- وما زالت تحشد- ما تتطلبه من قدرات ومؤسسات بغية صهر ثقافات أفواج المهاجرين القادمين إلى الولايات المتحدة في بوتقة الثقافة الأمريكية الموحدة.
وفي المقابل تبدو خطورة -الردة الثقافية- التي مارستها نظم التربية ومؤسسات الثقافة والإرشاد والإعلام في "الدول الإقليمية" القائمة في "مزق" الأمة الإسلامية المتوفاة، وهي تركز جهودها على تطوير ثقافات إقليمية، وقيم إقليمية، وفولكلور إقليمي، وفنون إقليمية، وآداب إقليمية، وأعياد إقليمية، وآثار إقليمية استمدتها جميعا من ثقافات العصبيات الجاهلية التي هجرها "الأجداد المؤمنون" في الماضي الأمر الذي رسخ التمزق، وكرس الفرقة والاختلاف، وأقام حواجز صلدة عنيدة أمام حركات الإصلاح، ومحاولات الوحدة.
[ ٢٤٣ ]