حقيقة "المثل الأعلى" الموجه لحياة الأمة في هذا الطور هي:
- دوران "الأفكار والأشياء" في فلك "أشخاص" القوم- واتصاف المثل الأعلى بهذه الصفة يؤدي إلى انحسار الأمة أي عناصر: الإيمان، والهجرة، والجهاد، والإيواء، والنصرة من دائرة "الأفكار الرسالة" إلى دائرة "أشخاص القوم" واستبدال مضامينها الفكرية بمضامين قومية. وتكون المحصلة النهائية لتفاعلاتها هي -الولاء للقوم- وبذلك يتغير تكوين الأمة لتصبح معادلته كما يلي:
[ ٣٨٢ ]
الأمة = الولاء للقوم "إيمان + هجرة ومهجر + جهاد ورسالة + إيواء +نصرة".
= أفراد يؤمنون بالقوم + هجرة قومية + جهاد ورسالة قومية + إيواء قومي + نصرة قومية.
ويمكن أن نمثل لتكوين الأمة الجديدة بالشكل التالي رقم "٤":
ففي الشكل رقم "٤" ينحسر -محور الولاء- إلى دائرة "أشخاص القوم". أما دائرة "أفكار" الرسالة، فتتحول صلة الأمة بها إلى صلة "نفاق" لا صلة ولاء. أي تتحول إلى أفكار تراثية مخزونة "تنفق" عند الحاجة من أجل نصرة محور الولاء لـ "أشخاص القوم". ويشير القرآن إلى "صلة النفاق" هذه عند أمثال قوله تعالى:
- ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣] .
- ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨] .
[ ٣٨٣ ]
وقد يبقى في الأمة أفراد وجماعات تدور في فلك "أفكار" الرسالة، ولكن دورانهم هذا يعضهم في "غربة" عمن حولهم ولا يخرجون في كل تفاعل اجتماعي إلا بالخبرات السلبية، ومشاعر الإحباط والأسى والعدمية.
وفي هذا الطور تتعدد -محاور الولاء- تبعا لتعدد الأقوام المكونة لأمة الرسالة بدل الولاء للأمة الواحدة، وتنشأ عن ذلك مضاعفات مرضية في الخبرات الاجتماعية والكونية، ومستوى القدرات العقلية المتفاعلة في الأمة تتمثل فيما يلي:
أ- مضاعفات المرض في مستوى الخبرات الاجتماعية والكونية:
ينحسر مستوى التفاعل مع الخبرات الاجتماعية، والكونية في هذا الطور تبعا لانحساب "المثل الأعلى". ويكون التجسيد العملي لهذا الانحسار في ميدان التربية والعلم، فتتغير فلسفة التربية وأهدافها، إذ "يقرأ" إنسان التربية في هذا الطور "باسم قومه" أي لرفعتهم، وتمكينهم من الهيمنة والتملك. وهذا التحول في فلسفة المعرفة يؤدي إلى حلول "الفقه العرفي" محل "الفقه السنني". والفرق بين النوعين من الفقه هو أن الفقه السنني "يستبصر" بآيات الوحي لـ"يقرأ" سنن الاجتماع الإنساني، وقوانين الخلق في الآفاق والأنفس. أما "الفقه العرفي" فهو يئول آيات الكتاب في ضوء "أعراف" القوم، وخبراتهم الثقافية المتراكمة عبر العصور.
و"الجماعة" في مفهوم الفقه السنني هي التي تجتمع على الحق وإن قلت. ولهذا أجاب الإمام علي بن أبي طالب من سأله عن معنى -الجماعة- فقال: " والجماعة -والله- مجامعة أهل الحق وإن قلوا. والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا"١.
أما في الفقه العرفي فالجماعة هي الأغلبية التي يتم "قياس" الحق طبقا لمحصلة رغباتها.
_________________
(١) ١ الكاندهلوي، حياة الصحابة، جـ٢، ص١٠٠ نقلا عن كنز العمال، جـ١، ص٩٦.
[ ٣٨٤ ]
والفقه السنني يعالج سلوك الإنسان، ونشاطات المجتمعات عبر مراحل الرحلة الإنسانية أي مراحل النشأة والحياة، والمصير باعتبارها كلها وحدة واحدة لا تتجزأ. أما الفقه العرفي فهو يجزئ الظاهرة الإنسانية فيجعل هناك "فقه للحياة" كما تودها إرادات -الأقوام- و"فقه" لغيبيات "النشأة والمصير" دون مرور في محطة الحياة.
وحلول "الفقه العرفي" محل "الفقه السنني" يفضي إلى مضاعفات خطيرة أهمها:
١- هبوط مستوى المعرفة وضيق دائرتها، إذ تهبط المعرفة من دائرة الأفكار إلى دائرة الأشخاص، ومن اكتشاف الحقائق الجديدة إلى ترديد معارف السلف السابقين، وتضيق من الدائرة الإنسانية التي تعالج قضايا الإنسان أنى، وأين كان إلى الدائرة القومية التي تسجن المعرفة داخل الحدود العرقية والتاريخية.
٢- ينمو فقه "المظهر الشعائري" للعبادة، وينحسر فقه "المظهر الاجتماعي"؛ لأن إرادة الجالسين في مراكز القوة والجاه في كل "قوم" تتطلع للبقاء طليقة من أي فقه يقيدها في التصرف بشئون الحياة والاجتماع. وانحسار فقه "المظهر الاجتماعي" للعبادة ينعكس على كل من فقه "المظهر الديني" وفقه "المظهر الكوني". فبدل أن يكون فقه المظهر الديني نصرة للعدل الدنيوي يتحول إلى مخدر يشيع الرضى بالظلم، والقهر انتظارا للعدل الأخروي. وبدل أن يكون فقه المظهر الكوني بحثا عن آيات الله في الآفاق، والأنفس يصبح تطويرا لوسائل "دع أيتام الإنسانية" أي قهرهم والتسلط عليهم. وبدل أن يكون "تسخيرا" للمخلوقات لخدمة الإنسان يصبح "تسخيرا" للإنسان، والمخلوقات سوء لإرادات أصحاب القوم والنفوذ. ونتيجة لذلك يقع الانشقاق بين "أهداف الحياة" التي توفرها العلوم الدينية، وبين "الوسائل" التي توفرها العلوم الطبيعية.
وتنقسم العملية التربوية إلى قسمين: تربية تشتغل بأهداف لا وسائل لها،
وتربية تشتغل بوسائل لا
[ ٣٨٥ ]
أهداف لها. وتمتد هذه الانشقاقات إلى مناهج الفهم والتطبيق، وتثور الخصومات وتعدد الفرق والجماعات. وإلى هذه الانشقاقات يشير قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] .
٣- يقل "فقهاء الرسالة" ويظهر "فقهاء الأقوام" المكونة للأمة الذين يؤولون آيات الكتاب ويحرفون المعاني عن مواضعها لتبرر إرادات "الأقوام" دون نظر في آيات الآفاق والأنفس. وإلى هذا التغير والزوغان يشير قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] .
أي فلما زاغوا -أي تحولوا- عن الولاء لـ"أفكار" الرسالة عملت سنن الله عملها في تحويل قدرات العقل، والإرادة في قلوبهم فصارت تتحرى المتشابه من آيات القرآن لتأويلها، وتبرير الولاء لـ"أشخاص القوم" ومصالحهم.
ب- مضاعفات المرض على "القدرات العقلية" و"الإرادة العازمة" و"القدرة التسخيرية":
تفضي مضاعفات الدوران في فلك "الأشخاص" إلى النيل من حرية "القدرات العقلية" عند كل من -إنسان التربية والعالم- وإعاقتها عن النمو السليم مما يتسبب في ضمور القدرات العقلية العليا كالتحليل، والتركيب والتقويم، والاقتصار على قدرات الحفظ والاستظهار والفهم والتأويل. ويكون من نتائج ذلك ظاهرتان رئيستان:
الأولى، نقص في "الإرادة العازمة" و"القدرة التسخيرية" وولادتهما بصورة غير عازمة ولا تسخيرية. وبالتالي لا ينجبان -العمل الصالح-
[ ٣٨٦ ]
بالدرجة التي كان عليها في مرحلة -صحة الأمة، أي أن مؤسسات التربية تتوقف عن إخراج الإنسان الصالح بالصورة التي كان عليها في مرحلة الصحة المشار إليها.
والظاهرة الثانية، هبوط مستوى الحماس للمعرفة والبحث. ولذلك يبدأ التقاعس والميل إلى التقليد. ويكون من نتائج ذلك توقف المؤسسات التربوية والعلمية عن "الهجرات" العقلية والنفسية، أي تتوقف عن التجديد في الفهم والقيم، وتتخلف عن مواكبة الشئون المتجددة التي يطرحها الله في الخلق الجديد المتجدد، وتبذر بذور الآبائية، وتضعف الجاذبية الحضارية، فتتوقف -هجرات العقول الرافدة- المتشوقة للمشاركة في حمل الرسالة، أي يتوقف تجديد شباب الأمة ومواردها البشرية، ويتحول "المهجر" إلى "وطن" مغلق راكد الحركة بسوى ما يكون من تنافس "الأقوام"، وتناطحها بسبب الولاءات
القومية المتباينة.
جـ- اضطراب مستوى التفاعل مع الرسالة "اضطراب شبكة العلاقات الاجتماعية":
في هذا الطور المرضي يصيب الخلل مستوى التفاعل مع الرسالة، أي ممارسة الحياة طبقا لنموذجها بالقدر الذي أصاب الخلل "المثل الأعلى" في الأمة. ويظهر هذا الخلل في اضطراب شبكة العلاقات الاجتماعية، والتطبيقات العملية لعناصر الأمة بمحتوياتها الجديدة. إذ تتشكل كما يلي:
تصبح رابطة "الإيمان بالولاء للقوم" هي المصدر الذي يحدد "جنسيات" الأفراد و"ثقافاتهم".
يتحول "المهجر" إلى "وطن" مغلق يقتصر على المؤمنين برباط الولاء للقوم.
يتحول "الجهاد" إلى بذل أشكال الجهد لرفعة القوم، وتفوقهم على بقية الأقوام في الداخل والخارج.
يقتصر "الإيواء" على من يدور في فلك الولاء للقوم الذين يتسلمون زمام القيادة، ويتفوقون على غيرهم من الأقوام المكونة للأمة.
[ ٣٨٧ ]
تتحول "النصرة" إلى نخوة قومية هدفها نصرة من يدور في فلك القوم.
تتحول "الولاية" من الاهتمام بشئون "أمة المؤمنين" إلى الاهتمام بشئون "القوم المهيمنين".
وتغير محتويات عناصر الأمة بهذا الشكل يؤدي إلى تغير مماثل في القيم والفضائل، والأخلاق التي توجه شبكة العلاقات الاجتماعية فتصبح كما يلي:
١- في البيئة الجديدة -بيئة الدوران في فلك أشخاص القوم- تنحسر معاني الرسالة فيحذف من "الأمر بالمعروف" كل ما ينال من إطلاق أيد "أشخاص القوم" "الأقوياء - الأثرياء" ويضيق معنى "النهي عن المنكر" ليسقط منه كل ما ينال من أخطاء "أشخاص القوم" الأقوياء. ويضيق معنى "الإيمان بالله" ليقتصر على المظهر الشعائري للعبادة دون المظهر الاجتماعي الذي يسوي "أشخاص القوم" الأقوياء مع نظائرهم غير الأقوياء والضعفاء.
٢- يتبدل سلم القيم في الأمة ليصبح محوره: "القوة فوق الفكرة" الأمر الذي يجعل -أولو الأمر- هم أهل القوة بدل أهل الفكر، وتصبح وظيفة "مؤسسات النصرة" تطبيق الحدود الشرعية لتنفيذ إرادات أهل القوة بدل قيم الرسالة.
٣- تنقسم الأمة -من الناحية العملية- إلى عدة أمم قومية، أو شعوبية تتنافس من أجل الهيمنة والاستئثار بمظاهر "الإيواء"، وبذلك تنقسم الأمة إلى سادة يهيمنون على منافع "الإيواء"، وموالي "يجاهدون" من أجل المشاركة في هذه المنافع.
٤- تبذر بذور قومية "الجنسية" و"الثقافة" بما فيها القيم والعادات واللغات والفنون، وغير ذلك مما يهيئ لظهور حركات الانفصال والنزعات الإقليمية، ويضغط على حدود "المهجر" الواحد لتفجيره إلى عدد من الأوطان.
[ ٣٨٨ ]
٥- تتحدد مكانة الأفراد في الأمة، ومسئولياتهم طبقا لأصولهم القومية ومكانتهم الاجتماعية، ومواقعهم على دوائر الولاء للقوم أو الإقليم، أو العشيرة أو الأسرة دون اعتبار لمقاييس الفكر، والقدرات الفكرية والولاءات الإسلامية إلا بمقدار ما تمليه الضرورة في تأمين الولاء لأشخاص القيادة، واستقرار نفوذهم.
٦- تهتز مكانة العدل في الأمة، وتبذر بذور الظلم، وتفقد قيم الرسالة فاعليتها وتأثيرها وتتحول إلى قيم مخزونة في مخازن التراث "ينفقها" الأقوياء لتبرير هيمنتهم واحتكاراتهم، و"ينفقها" المستضعون لاستجداء -أشيائهم، مما يمهد إلى ظهور "قيم كفر الترف" و"قيم النفاق" و"قيم كفر الحرمان" التي تفترس المظلومين من أذكياء الأمة ومحروميها١.
٧- يتحول "ولاء" عامة الأمة وحبهم، وطاعتهم إلى "الأشخاص" الأقوياء الذين يحتكرون "الأشياء"، ويتحكمون بمصائر "الأشخاص" الأتباع. وبذلك يتحول الناس من تأليه الله مصدر الرسالة -أي حبه وطاعته- إلى تأليه -الأشخاص الأقوياء- وتتحرك إراداتهم إلى المدى الذي يحدده هذا التأليه. وبذلك تنتقل الأمة من صفاء التوحيد إلى شرك الصنمية: صنمية الأشخاص التي أطلق القرآن عليها اسم -صنمية الأنداد- وتبتكر رموزا جديدة للصنمية تتلاءم مع روح العصر وثقافته واتجاهاته. وبذلك تتحول الأمة من "أمة رسالة" إلى "أمة سدنة". والفرق بين النوعين من الأمة أن الأولى تضحي بالأموال، والنفوس في سبيل الرسالة بينما "تنفق" أمة السدنة أفكار الرسالة لتنال السلطان، وتجمع المال وترفه النفوس، ويتحول فيها العلماء ورجال الفكر، ومؤسسات التربية إلى التعلق برسوم العلم ومظاهره ويشتغلون بـ"فقه" الأشكال بدل "فقه" الأعمال.
ولقد بدأ هذا الطور -طور الولاء للقوم- في حياة الأمة الإسلامية
_________________
(١) ١ للوقوف على تفاصيل الأنواع الثلاثة من -القيم- راجع كتاب -فلسفة التربية الإسلامية- للمؤلف.
[ ٣٨٩ ]
عند بدء اختلال العلاقة بين رجال الفكر وبين رجال القوة، ثم دخول الطرفين في شقاق طويل انتهى بتغلب رجال القوة، وتطويعهم لرجال الفقه والفكر. ولقد وصف ابن تيمية تطور الشقاق المذكور فقال:
"كان النبي -ﷺ- وخلفاؤه الراشدون يسوسون الناس في دينهم ودنياهم، ثم بعد ذلك تفرقت الأمور، فصار أمراء الحرب يسوسون الناس في أمر الدنيا والدين الظاهر، وشيوخ العلم والدين يسوسون الناس فيما يرجع إليهم فيه من العلم والدين"١.
ويعلل ابن تيمية هذا الانشقاق فيقول:
"ولما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال، والشرف وصاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم، رأى كثير من الناس أن الإمارة تنافي الإيمان وكمال الدين. ثم منهم من غلب الدين وأعرض عما لا يتم الدين إلا به من ذلك. ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك، فأخذه معرضًا عن الدين لاعتقاده أنه مناف لذلك، وصار الدين عنده في محل الرحمة والذل، لا في محل العلو والعز. وكذلك لما غلب على كثير من أهل الدين العجز عن تكميل الدين، والجزع لما قد يصيبهم من إقامته من البلاء، واستضعف طريقتهم واستذلها من رأى من لا تقوم مصلحته ومصلحة غيره بها.
وهاتان السبيلان الفاسدتان -سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال. وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين، وهما سبيل المغضوب عليهم والضالين"٢.
ويضيف ابن تيمية أن ظاهرة الانشقاق بين رجال العلم، ورجال السياسة تفاقمت تحت قيادة العباسيين حتى انتهت إلى الانشقاق بين المؤسسات الممثلة لكلا الفريقين. وفي ذلك يقول:
_________________
(١) ١ ابن تيمية، الفتاوى، أصول الفقه، جـ٢٠، ص٣٩٣. ٢ ابن تيمية، الفتاوى، كتاب الجهاد، جـ٢٨، ص٣٩٤، ٣٩٥.
[ ٣٩٠ ]
"فلما صارت الخلافة في ولد العباس، واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق، ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة، احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم، وجعلوا ولاية حرب غير ولاية شرع. وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال: الشرع والسياسة. وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة، سوغ حاكما أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة.
والسبب في ذلك إن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة، فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود، حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال، وتستباح الحرمات والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وخيرهم الذين يحكم بلا هوى وتحرى العدل. وكثير يحكمون بالهوى، ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك"١.
وإذا كنا نقدر لابن تيمية هذا السبر العميق لتطور العلاقة بين رجال الفكر ورجال القوة، وإدراكه لخطورة الانتكاس الذي أصاب هذه العلاقة، إلا أننا لا نتفق معه على أن الانشقاق بدأ بحكم بني العباس، وإنما هو أمر بذرت بذوره بوصول "طلقاء مكة"، الذين أسلموا بعد الفتح إلى مراكز القيادة دون أن يمروا بسلسلة العمليات التربوية التي مر بها المهاجرون والأنصار٢. فمنذ وصول -طلقاء مكة- إلى صفوف القيادة أخذوا ينافسون رجال الفقه، والفكر من المهاجرين والأنصار، ويحاولون الخروج على التقليد الذي أرسي في عصر النبوة، والخلافة الراشدة، وهو انقياد رجال القوة لرجال الفقه والعمل بإرشادهم وتوجيهاتهم، حتى إذا استكمل طلقاء مكة سيطرتهم.
_________________
(١) ١ ابن تيمية، الفتاوى، كتاب أصول الفقه، جـ٢٠، ص٣٩٢، ٣٩٣. ٢ "الطلقاء" اسم أطلق على زعماء الجاهلية الذين أسلموا بعد فتح مكة بعد عفو الرسول عنهم وقوله له: "ما ترون أني فاعل بكم؟ " قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
[ ٣٩١ ]
على زمام القوة والقيادة في الأمة الإسلامية أعادوا قيم العصبية القبلية، وتقاليدها في الرئاسة والسياسة، وسخروا مؤسسات التربية والفقه والإدارة لتطويع جماهير الأمة إليها.
فالعامل الحاسم هنا في اضطراب العلاقة بين رجال الفكر، ورجال القوة هو الفارق الهائل بين التربية الإسلامية التي نالها كل من فريق المهاجرين، والأنصار وفريق طلقاء مكة.
وتشير المصادر الإسلامية إلى أن محاولات -طلقاء مكة- للهيمنة على رجال الفقه، والفكر بدأت منذ أيام عمر بن الخطاب، ولكن "فقه" عمر وهيبته وسطوته كانت تقف أمام هذه المحاولات، من ذلك ما قام به معاوية زعيم طلقاء مكة، وابن زعيمهم أبي سفيان حين تسلم ولاية الشام، وأخذ يعترض على فقه قادة البعوث الثقافية من فقهاء المهاجرين والأنصار، ويحاول تطويع هذا الفقه لسياساته. إذ يروي ابن ماجه في سننه أن الصحابي النقيب عبادة بن الصامت غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر الناس وهم يتبايعون كسر الذهب بالدينار، وكسر الفضة بالدراهم فقال: يا أيها الناس! إنكم تأكلون الربا. سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة". فقال له معاوية: يا أبا الوليد لا أرى الربا في هذا إلا ما كان نظرة. فقال عبادة: أحدثك عن رسول الله -ﷺ- وتحدثني عن رأيك؟ لئن أخرجني الله ﷿ لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة، فلما قفل لحق بالمدينة. فقال له عمر بن الخطاب: ما أقدمك يا
[ ٣٩٢ ]
أبا الوليد؟ فقص عليه وما قال عن مساكنته. فقال: ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك. فقبح الله أرضًا لست فيها وأمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه هو الأمر١.
ويروي الطبري عن زيد بن وهب موقفا مماثلا مع الصحابي أبي ذر، قال: مررت بالربذة "مكان خارج المدينة نفى الخليفة عثمان إليه أبا ذر" فلقيت أبا ذر. فقلت: يا أبا ذر ما أنزلك هذه البلاد؟ قال: كنت بالشام فقرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ الآية. فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، وإنما هذه الآية في أهل الكتاب. قال: فقلت: إنها لفينا وفيهم. قال: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول. فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقبل إلي. قال: فأقبلت. فلما قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني من قبل يومئذ. فشكوت ذلك إلى عثمان. فقال لي: تنح قريبا. قلت: والله لن أدع ما أقول"٢.
وأبو ذر هذا الذي قال عنه رسول الله -ﷺ: "ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر" ٣.
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه، المقدمة. ٢ الطبري، التفسير، جـ١٠، ص١٢١. ٣ سنن ابن ماجه، المقدمة.
[ ٣٩٣ ]
ثم جاءت الضربة القاصمة على أيدي بني أمية وبني العباس، إذ لم يقتصر الأمر على إخضاع رجال القوة رجال الشريعة، وإنما اختفى مصدر هائل من مصادر الفكر السياسي في الإسلام.
هذا المصدر هو -خطب الرسول ﷺ- التي كان يخطبها أيام الجمعة، وخطب -الصلاة جامعة- التي كان يعالج بها القضايا العامة الكبرى حين يستدعي الأمر المعالجة الحاسمة السريعة. ومثلها -خطب- الخليفة أبي بكر، وخطب الخليفة عمر. وكلها خطب تغطي حقبة زمنية طويلة تتألف من "١٠" عشرة سنوات أيام الرسول -ﷺ، وسنتين أيام أبي بكر، وعشرة سنوات أيام عمر، أي ما يزيد على "١٥٠٠" ألف وخمسمائة خطبة.
وجميعها خطب كانت تنصب على شئون الاجتماع والسياسة، والاقتصاد والإدارة والعلاقات بين الحاكم والمحكوم، وبين فئات المحكومين أنفسهم، فأين هذه الخطب الجامعة؟ وهل استعصى جمعها على رجال الحديث الذين دونوا الأحاديث التي تناولت حياة الرسول -ﷺ- وتفاصيل علاقاته في غرف نومه مع زوجاته وأسرته؟ لماذا لم نتسلم من هذه الخطب إلا نتفا وإشارات تاريخية؟ إن التفسير الوحيد الذي نرجحه، في ضوء مواقف معاوية مع أمثال عبادة بن الصامت وأبي ذر الغفاري، ومواقف الحجاج الثقفي مع أمثال سعيد بن جبير، وإعدامه لمئات العلماء المعترضين على السياسات المطلقة لبني أمية، ومواقف أبي جعفر المنصور، والمأمون من أمثال سفيان الثوري وأبي حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل، هو أن الخلفاء الأمويين والعباسيين قد منعوا رواية هذه الخطب وتدوينها وحاربوا التحدث بها وانتشارها لما فيها من تقرير لمبادئ الشورى -وليس الاستشارة- وحكم المؤسسات ورقابة الحاكم، ومساءلته ومحاكمته وإنزال القصاص به، ولما فيها من تعريض، وتنديد بسياسات الملك العضوض في الحكم والمال والإدارة، وهو ما اتصفت به أنظمة الحكم الأموي العباسي التي استمدت مفاهيمها
[ ٣٩٤ ]
وتطبيقاتها من تقاليد العصبية القبلية العربية، ومزجته بما راقها من تقاليد الكسروية الفارسية والقيصرية الرومانية١.
واستمر مسلسل هيمنة رجال الملك، والقوة على رجال الفقه والفكر وتعاظمت ردة القيم السياسية من الدوران في فلك "أفكار الرسالة" إلى الدوران في فلك "أشخاص" القوة وأصحاب النفوذ، فصارت "القوة فوق الشريعة" و"التسلط فوق الحرية" و"الحكم المطلق فوق الشورى" و"التملك الفردي فوق ملكية الأمة".
ولقد أدى هذا التحول في اندحار "فقهاء الرسالة" إلى ظهور "فقهاء الملوك والسلاطين، وازدهار مكانة الشعراء والمداحين الذين أشاوا بانفراد "أشخاص" الحاكمين بالنفوذ والتصرف، وأسبغوا الكمال والعصمة على أفعالهم، وسياساتهم الأمر الذي بذر بذور ردود الفعل العنيفة التي تلت، وأفرزت "قيم كفر الحرمان" التي جسدتها فلسفات الزندقة، والحركات الباطنية. ولما كان تدوين التاريخ الإسلامي قد بدأ خلال هذه الفترة -فترة الدوران في فلك الأشخاص بدل الأفكار- فقد جرت كتابة هذا التاريخ على أساس أنه تاريخ عائلات وأشخاص، لا تاريخ فكرة ورسالة، وما زال قارئوا هذا التاريخ لا يتبينو عمق التشويه الذي أحدثه الدوران في فلك الأشخاص بدل الأفكار في كتابه هذا التاريخ وتصنيفه.
ولعل من الإنصاف أن نقول: أن هذا التحول لم يحدث بسهولة، وإنما رافقته مقاومة شديدة من جيل الصحابة، والتابعين الذين كانوا يدورون في فلك أفكار الرسالة الإسلامية.
وخلال هذه المقاومة قدم المقاومون تضحيات هائلة في الأنفس
_________________
(١) ١ ثم تدوين خطب الخليفة علي بن أبي طالب من قبل المعارضة للحكم الأموي، ولعل أهمية الخطب المشار إليها أعلاه تستحق التنقيب في المخطوطات الإسلامية المتناثرة في مكتبات العالم، والتي لم يطبع منها أكثر من ٩%، فلعلنا نعثر على شيء من الخطب المذكورة.
[ ٣٩٥ ]
والمقدرات المادية والاجتماعية. ومثال ذلك التضحيات التي قدمها علي بن أبي طالب وولداه الحسن والحسين، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن الزبير، وفقهاء التابعين من أمثال سعيد بن جبير، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك وغيرهم.
ولكن عدم اكتمال -التحول النفسي- في الأقطار المفتوحة، خاصة الشام والعراق ومصر، جعل سكان هذه الأقطار يدورون في فلك "الأشخاص والأشياء" أكثر من الدوران في فلك "أفكار الرسالة"، ولذلك والوا -طلقاء مكة وثقيف- وساعدوهم في الوصول إلى قيادة الأمة الإسلامية، مكرسين بهذه المساعدة المرض الذي نزل في الأمة الإسلامية حين انتقلت من الدروان في فلك "أفكار الرسالة" إلى الدوران في فلك "الأشخاص" الذين يملكون القوة والممتلكات، وفتحوا الباب للشكل الثاني من المضاعفات، وهو الدروان في فلك أشخاص "العشيرة"، ونظرائها كالطائفة والمذهب.
[ ٣٩٦ ]