والإرادة مستويات تتطابق مع مستويات المثل الأعلى. وهذه المستويات قسمان: بعضها أساسية وبعضها فرعية.
أما المستويات الأساسية فهي:
إرادة الإنسان للغذاء لبقاء الجسم البشري.
وإرادة الإنسان للنكاح لاستمرار النوع الإنساني.
وإرادة العقيدة والقيم ليرتقي الإنسان بنوعه.
والذي تهدف إليه التربية الإسلامية أن تنمو هذه المستويات الثلاثة، وأن تتخذ مواقعها حسب نسق معين تحتل فيه -إرادة العقيد والقيم- منزلة التوجيه والإرشاد بينما تتوجه الإرادتان الأخريتان نحو مقاصدها في ضوء التوجيهات، والإرشادات المشار إليها توجها واعيا قائما على الاقتناع والقبول. وبذلك تعطي الإنسان منزلته العليا، وتخرجه عن إرادات الحيوان الذي يتوقف عند إرادة الغذاء والنكاح.
ولا يعني ذلك الحط من قيمة الاقتصاد، والتمتع بنعم الله، وإنما معناه أن الاقتصاد يكتسب قيمته من أثره الأخلاقي، ومدى إسهامه في رفع قيمة النوع البشري لا مجرد الوقوف عند بقاء النوع البشري.
فإرادة العقيدة والقيم هي الهدف بينما يكون دور كل من الإرادتين الأخريتين هو دور الوسيلة المساعدة للوصول إلى هذا الهدف. فالمسلم يريد الطعام والنكاح، ولو ترك الطعام فمات لكان منتحرا، ولو ترك النكاح
[ ١٢٣ ]
لكان خارجًا عن المنهج المستقيم. ولو حرم غيره من الطعام لكان قاتلا، ولو حرم غيره من النكاح لكان مفسدًا. ولكن لا يجوز أن يجعل الطعام والنكاح مثله الأعلى بل يطلبهما طلب الوسيلة الموصلة إلى المثل الأعلى.
والإنسان فيه ميل طبيعي إلى تعشق المثل الأعلى، الذي يرتقي بنوعه ولا يقف عند الإسهام في بقائه الجسدي. وحين تثبت التربية إرادته عند إرادة الطعام، والنكاح ينتابه القلق وعدم الاستقرار والإحساس بالغربة حتى يبلغ مستوى العقيدة والقيم، أو ما يقابل تحقيق الذات التي هي حاجة تعلو على الحاجات الفسيولوجية كما يقرر -ماسلو- في سلم حاجته الشهير.
وحين تنمو الإرادات الأساسية التي مر ذكرها، وتتكامل حسب النسق الذي عرضناه، فإن عددا من الإرادات الفرعية ذات الأثر الإيجابي يتفرع عنها إطارًا عامًّا.
ويرسم القرآن إطارًا عاما لهذه الإرادات الفرعية منها:
إرادة الإحسان: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] .
وإرادة الإصلاح: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: ٨٨] .
وإرادة الهدى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨١] .
وإرادة النصح: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] .
وإرادة التيسير: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] .
وإرادة التواضع والصلاح: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣] .
وإرادة الآخرة: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] .
ومثلها إرادة التعلم، وإرادة الفضائل والأخلاق، وإرادة الحلال في
[ ١٢٤ ]
المأكل والملبس والجنس والنفور من الإرادات السيئة، والمحرمة التي تقابل الإرادات الفاضلة والمباحة.
ومحور هذه الإرادات كلها الذي تتوحد فيه، وتتفرع عنه هو -إرادة الله ﷾:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] .
﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩] .
وإرادة الله يكون من ثمراتها تفجر جميع الإرادات النبيلة، التي تتوجه للارتقاء الحياة وطهرها وشيوع الحق، والعدل فيها وسهولتها، ويسرها:
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ٧] .
﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] .
أما إذا انحسرت إرادة العقيدة والقيم، وهيمنت إرادة الطعام، وإرادة النكاح فصارتا هما الهدف، وما يقابلهما في سلم "مثل السوء" هو المثل الأعلى، فإن التربية تكون قد خرجت عن مسارها السليم. ولذلك فإن نظم التربية التي تجعل الرفاهية المادية، وزيادة الدخل وثقافة الاستهلاك أسمى درجات المثل الأعلى الذي تتحرك نحوه إرادة المتعلم لا تعتبر -في الواقع- هي النموذج لنظم التربية؛ لأنها تهمل إنسانية الإنسان.
إن التربية التي تجعل مثلها الأعلى هو الرفاهية المادية، وثقافة الاستهلاك تفرز عددا كبيرا من الإرادات الفرعية الفاسدة ذات الآثار السلبية مثل:
[ ١٢٥ ]
إرادة الدنيا: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٥٢] .
﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم: ٢٩] .
وإرادة الفحشاء: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] .
وإرادة العدوان: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] .
وإرادة طمس الحق: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] .
وإراد الإفساد: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] .
وإراد الخيانة: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ [الأنفال: ٧١] .
وإرادة النفاق والمداهنة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩١] .
وإرادة الجبن: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] .
وإرادة التزييف: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] .
وإرادة الكيد والمكر: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٠] .
وإرادة الجاه: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] .
ومثلها إرادات العصبية للقبيلة أو القوم، أو الجنس أو الوطن، وإرادة الحرام من المال والمطعم والجنس، وإرادة السلطان والتجبر، وإرادة اللهو، وإرادة المتعة والترف، وإرادة الرذيلة وغيرها من الإرادات السيئة والمحرمة.
[ ١٢٦ ]
فهذه كلها إرادات يريدها الإنسان الذي تقف إرادته الرئيسية عند إرادة الطعام وإرادة النكاح، وهي كلها تؤدي إلى هبوط النوع الإنساني. ولذلك جعلها الإسلام إرادات فاسدة كالروائح النتنة. ولهذا لما رأى رسول الله -ﷺ- بعض أتباعه "يريدون" الولاء للعصبية ويصيحون: يا لآل فلاون! قال لهم: "دعوها فإنها منتنة" ١.
وإيراد هذه الأمثلة والنماذج القرآنية للإرادات لا يعني أن نقف عند ما ورد في القرآن والحديث، وإنما معناه أن نسترشد بهذا الإطار العام لمفهوم الإرادة، ثم نمضي قدما في تصنيف تفاصيل الإرادات الفرعية في ضوء الخبرات، والحالجات القائمة. أي أن المطلوب أن يبرز "فقه تربوي" في كل زمان ومكان، تكون مهمته بلورة نماذج الإرادات التي يراد من التربية والمؤسسات التربوية أن تنميها في ضوء التوجيهات الإلهية في آيات الكتاب، وفي ضوء التطور الجاري والحاجات المتجددة، والتحديات القائمة في ميادين الآفاق والأنفس. ونجاح التربية في هذه المهمة يحقق صفة "الإخلاص" في العمل التي هي أحد الشرطين الرئيسين لبروز العمل الصالح.
ومن الطبيعي أن بلورة مثل هذه النماذج من الإرادات يجب أن يسبقها بلورة نماذج مطابقة من المثل الأعلى، الذي يمثل حاجات المرحلة والمكان كذلك. وحين تنجح التربية في ذلك كله وتشيعه، وترسخه تكون قد عملت على إيجاد ما يسمى بـ"روح الأمة"!!
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، كتاب البر، ص٦٤.
[ ١٢٧ ]