والذين لا يكون لهم مكان في ولاية المؤمنين تكون ولايتهم في الطرف المقابل من الولاية الفاسدة القائمة على نصرة الباطل، والدعوة إليه والالتفاف حوله. وهذه الولاية الفاسدة درجتان:
الدرجة الأولى، ولاية الشياطين للكافرين والمنافقين والعصاة: أي يتولونهم بالإضلال والإفساد، والاصطدام مع أوامر الله وسننه في الحياة. وإلى هذه الدرجة كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى:
﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ٦٣] .
﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧] .
وتحسن الإشارة -هنا- إلى الاستعمالات الخاطئة المضللة لمصطلح -الشيطان- بحيث لم يعد بمقدور المسلم العادي أن يتخذ موقفا واقعيا محسوسا من الشياطين وأضاليلهم، وصار محرجا للمسلم المثقف أن يتطرق لمناقشة عمل الشياطين، وآثارها لما يرى في ذلك من إمكانية الوقوع في شرك الخرافة، أو الاتهام بالتفكير الخرافي.
فالقرآن والحديث يطلقان مصطلح -الشيطان- ليدل على المنشطن: أي المنحرف الضال من قصد وإصرار١. والشيطان -في القرآن والحديث- قسمان: الأول، هو الشيطان الجني الذي لا يرى ولا يسمع من البشر العاديين. والقرآن يذكر هذا النوع في معرض تعريفه بعناصر الوجود المحيط وتفاعل الإنسان معها، ويخبر أن هذا الشيطان الجني ضعيف الكيد والتدبير، وإن عمله -في الغالب- بين بني جنسه.
والنوع الثاني، هو الشيطان الإنساني الذي ينشطن -أن ينحرف عن قصد وإصرار- عن منهج الله ويتبنى منهاجا مضادا في الفكر والسلوك،
_________________
(١) ١ الطبري، التفسير، جـ١، ص٤٩. ابن كثير، تفسير سورة البقرة: آية ١٥.
[ ٣٤٧ ]
ويجعل من الانحراف والضلال فكرا صائبا، وعملا صالحا وإنجازا حضاريا متقدما، ثم يكرس حياته وجهوده للدعوة إلى هذا الانحراف والضلال وإشاعتهما. ففي معنى قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] .
يذكر الطبري في تفسره أن الشياطين المشار إليهم في هذه الآية هم شياطين فارس من المجوس، وأن أولياءهم هم المتمردون من مشركي قريش. فقد أرسلت فارس إلى أوليائها من قريش أن جادلوا محمدا وأصحابه، حول أكل الميتة، وكانوا يسمونها قتل الله. فقالوا: ما قتل الله لا تأكلونه وما قتلتم تأكلون؟ وفي رواية قال المشركون للرسول -ﷺ: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: "الله قتلها". قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ . وفي رواية أخرى، قالوا: أما قتل الصقر والكلب فتأكلونه، وأما قتل الله فلا تأكلونه؟ فوقع في نفوس بعض المسلمين شيء، فأنزل الله الآية، ونزلت أيضًا آية: ﴿شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢-١٢١] ١.
ورواية الطبري عن مناسبة الآية تبين بوضوح إن ظاهرة شياطين الفكر من المستعمرين الذين يثيرون الشبهات حول الإسلام، وظاهرة أوليائهم من العرب -أو العملاء حسب لغة العصر الحديث- الذين يشيعون هذه الشبهات هذه ظاهرة قديمة -حديثة. فالعرب كانوا وما زالوا يتلقون القضايا الفكرية من شياطين الخارج. ففي الماضي كانوا يتلقون المعتقدات والشبهات من فارس والروم، واليوم يتلقونها من الغرب والشرق، ولا عاصم لهم إلا الإسلام.
والحديث النبوي يركز على التحذير من شياطين الإنس. من ذلك قوله -ﷺ: "يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ " قالت قلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟ قال: "نعم شر من شياطين الجن" ٢.
_________________
(١) ١ الطبري، التفسير، جـ٨، ص١٦، ١٧. ٢ الطبري، نفس المصدر، ص٥.
[ ٣٤٨ ]
وبهذا التصور الذي يقدمه القرآن والحديث يكون هناك شيطان الفكر، وشيطان التربية، وشيطان الثقافة، وشيطان الآداب، وشيطان الفنون، وشيطان الإعلام، وشيطان الإباحية، وشيطان الأزياء. ومن أحب أحدا من هؤلاء الشياطين أو قلده فهو ولي له، وهم أولياء له باعتبار أن لكل هؤلاء اهتمامات مشتركة تعمل في الاتجاه المضاد لصحة الأمة المسلمة، وسلامة عناصرها في الإيمان، والهجرة، والجهاد والرسالة، والإيواء، والنصرة إن كانت قائمة، أو يعمل على إعاقة إخراجها إن كانت في مرحلة التكوين أو النشأة والنمو.
وهكذا تتمركز -ولاية الشيطان- في قلب الاجتماع البشري، وتمثل سلوكا بشريا متخلفا وضارا لا بد من دراسته ومعالجته. ولكن مؤسسات التربية الإسلامية -حين خشيت في عصور الجمود والاستبداد شياطين السياسة والترف من الإنس- انحرفت للغوص في الغيبات بحثا عن شياطين الجن، التي لا ترى ولا يحس لها أثر، وأشغلت تفكير الناس بذلك حتى انتهت بكثير منهم إلى الوسوسة والجنون. لذلك لا بد للتربية الإسلامية أن ترد لمصطلح الشيطان، وولاية الشيطان محتواهما الاجتماعي المتمركز في قلب الاجتماع البشري، ولا بد لها أن تفتح ميادين جديدة في علم النفس للتعرف على عوامل، والمؤثرات التي تنتهي بالإنسان الذكي إلى الشيطنة الفكرية والسياسية، والاقتصادية والأخلاقية والتعرف على مضاعفاتها، وأساليب معالجتها وطرق الوقاية منها. فذلك هو الذي تدعو إليه الضرورات وتتطلبه التحديات، ويركز عليه القرآن الكريم حين يتحدث عن شياطين البشر من القيادات الفكرية، والسياسية وآثارهم المدمرة في الجماهير التي تستجيب لشيطنتهم وتقتفي أعمالهم، من ذلك قوله تعالى:
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .
ولقد نقل الطبري في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود ﵄ أن المراد بـ"الشياطين" في هذه الآية كبار اليهود ورءوس الكفر، وأن الآية تشير إلى سلوك المنافقين في المدينة المنورة الذين كانوا يتظاهرون
[ ٣٤٩ ]
بالإيمان إذا أصاب المسلمون رخاء وخيرا، ولكنهم إذا رجعوا إلى "شياطينهم" من كبار اليهود ورؤساء الكفر قالوا لهم: إنا لسنا جادين في إظهار الإيمان، وإنما نحن مستهزئون بمحمد وأصحابه١.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الحكمة من اعتبار شياطين الإنس شر من شياطين الجن -كما يقرر الحديث النبوي الذي مر ذكره؟
الجواب: هو ما يوجه إليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٨-١٠٠] .
فالشيطان الجني مخلوق خفي لا فاعلية له إلا في بيئات الظلم، والفساد والفاحشة التي تسهل عمله على إيقاع البشر في المعاصي، تماما كما لا تعمل الجراثيم، والفايروسات إلا في بيئات التلوث والقذارة التي تيسر لها التكاثر والفتك بالأصحاء. لذلك لا سلطان للشيطان في بيئات الإيمان بالله، وتطبيقاته النظيفة، وإنما سلطانه حين "يتولاه" المنشطنون من البشر و"يشركون" به و"يؤمنون" بالضلال الذي يريده، و"يهاجرون" إلى تطبيقات هذا الضلال، و"يجاهدون" لتلويث البيئة العامة بهذه الفواحش، و"يؤون" روادها ويسبغون عليهم المال والجاه والمكانة الوظيفية، ويجتهدون في "نصرتها" وحراستها.
لذلك تبدو خطورة المكر الذي تمارسه الأنظمة السياسية التي تفصل بين الدين، والحياة وتجعل الدين قضية فردية، ثم "تتولى" شياطين الفن والثقافة، والتعليم والإعلام والاقتصاد والإدارة بالإيواء والنصرة، وتطلق لهم الحرية كاملة ليلوثوا البيئة العامة بالإلحاد والفاحشة، والترف والاحتكار والظلم والمحسوبية، وغلاء الأسعار الأمر الذي يجعل اجتناب المعاصي أمرا صعبا للغاية عند غالبية الذين يعيشون في هذه البيئة مهما انتشرت الخطابة
_________________
(١) ١ الطبري، التفسير، جـ١، ص١٢٩، ١٣٠.
[ ٣٥٠ ]
والمواعظ وكثرت المساجد وشعائر العبادة؛ لأن السلوك هو محصلة التفاعل بين الفرد والبيئة في لحظة معينة. لذلك لا يولد العمل الصالح من صلاح الفرد وحده، وإنما من صلاح الفرد والبيئة سواء. يضاف إلى ذلك أن تكرار السقوط في مزالق المعصية، ومصارعة معزياتها في البيئة الملوثة يشيع الاعتقاد بصعوبة التدين، ويجعل العصاة وضعاف النفوس يصدقون مقولات -شياطين العلم- التي تقرر أن الضوابط الأخلاقية قيود نفسية، تنتهي بأصحابها إلى العقد النفسية، والمشكلات الاجتماعية والأمراض الجسدية.
والدرجة الثانية، ولاية الكافرين والمنافقين والعصاة بعضهم لبعض: وإلى هذه الدرجة هذه الدرجة كانت الإشارة بأمثال قوله تعالى:
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩] .
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣] .
فالكافرون والمنافقون والعصاة من الموجهين والقادة يتولون الأتباع بالتوجيه، والتدريب على الممارسة والتطبيق، بينما يتولى الأتباع القادة والموجهين بالاستجابة، والاتباع والإيواء والنصرة. وهم جميعا يتعاونون لإقامة -أمة الكفر- والهيمنة في الأرض لنشر الفتنة والفساد الكبير.
[ ٣٥١ ]