الفصل السادس والعشرون: مرحلة وفاة الأمة "مرحلة الدوران في فلك الأشياء"
يرمز إلى هذه المرحلة في الشكل رقم "٢" بالمثلث د هـ وعلى صفحة ٣٧٣ حيث تبدأ بوفاة الأمة عند المحطة الزمنية "هـ"، وتنتهي عند إعلان الوفاة والقيام بالدفن عند المحطة الزمنية "و"، وتنتهي الأمة إلى حالة الوفاة حين تصبح حقيقة "المثل الأعلى" الذي يوجه الحياة فيها هي:
- دوران "الأفكار والأشخاص" في فلك "الأشياء":
والتجسيد العملي لهذا الدوران هو تمركز شهوات الحياة، ومتعها في محور نظام القيم السائدة، وتكريس المقدرات الفكرية والبشرية لتوفير هذه الشهوات، والمتع ونسيان ما عداها من قضايا النشأة والحياة والمصير. وإلى هذا النسيان يشير قوله تعالى:
﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] .
والمحصلة النهائية لهذا التبدل في القيم هي بروز "إنسان" أناني تدور اهتماماته حول "ملكية الأشياء"، والعض عليها بكل الأنياب المادية والنفسية كقوة السلاح والتآمر، والغش والظلم والاغتصاب دون اعتبار للآخرين ومصائرهم. ويطلق الرسول -ﷺ- على هذا النظام القيمي اسم -الملك العضوض- أي الذي يعض عليه أهله بقوة السلاح، ويغتصبونه بالقتل والفتن ويحرسونه بالإرهاب.
وتتفاوت سعة دوائر شهوة -الملك العضوض- بتفاوت دوائر الممالك في الأمة. فهي تبدأ من -ملك الفرد- العادي للأشياء حتى تبلغ أقصى
[ ٤١٢ ]
سعتها في الملكية المطلقة للحاكم الجالس على رأس المجتمع. وهذا التجانس بين قمة -الملك العضوض- والقواعد الشعبية العضوضة يندرج أيضا تحت المبدأ الإسلامي القائل، "كما تكونون يول عليكم". وتفصل الأحاديث النبوية في تشخيص هذا اللون من قيم -الملك العضوض- ومظاهره ومضاعفاته، من ذلك قوله -ﷺ:
"سيأتي على الناس زمان، لا ينال الملك فيه إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان، فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على البغضة وهو يقر على المحبة، وصبر على الذال وهو يقدر على العز، أتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق بي" ١.
وفي حديث آخر:
"يأتي على الناس زمان همتهم بطونهم، وشرفهم متاعهم، وقبلتهم نساؤهم ودينهم دراهمهم ودنانيرهم، أولئك شر الخلق لا خلاق لهم عند الله" ٢.
_________________
(١) ١ عز الدين بليق، منهاج الصالحين، "بيروت: دار الفتح، ١٣٩٨/ ١٩٧٨" ص٩٣٨. ٢ نفس المصدر، ص٩٣٧ نقلًا عن الديلمي.
[ ٤١٣ ]