الفصل التاسع عشر: العنصر الثالث عنصر الجهاد والرسالة
الجهاد والرسالة هما العنصر الثالث من عناصر الأمة المسلمة. والجمع بينهما في عنصر واحد سببه اقترانهما -في القرآن والسنة- اقتران الوسيلة بالهدف. فالرسالة بدون جهاد مفضية إلى مقت الله وغضبه، والجهاد بدون رسالة نصرة للعصبيات، وخدمة للشهوات موجبًا لعقوبة الله وعذابه.
أما عن تفاصيل هذا العنصر فهي كما يلي:
معنى الجهاد:
الجهاد معناه -لغويًّا- بذل أقصى الجهد. أما اصطلاحًا فهي يعني استفراغ الطاقة لتحقيق الأهداف التي توجه إليها الرسالة الإسلامية في ميادين الحياة الفكرية، والاجتماعية والاقتصادية والعلمية، والعسكرية وغيرها في أوقات السلم والحرب سواء. وهذا ما يوجه إليه القرآن الكريم في مواضع كثيرة جدًّا من ذلك قوله تعالى:
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] أي أن الجهاد الذي اختاركم الله من أجله لا ضيق فيه، ولا عنت وإنما هو يتناسب مع الوسع، والطاقة التي أودعها في خلقكم وتكوينكم١.
والرسول -ﷺ- يرسم الإطار الواسع للجهاد من خلال أمرين: الأول، طرح معادلات الجهاد العملية في ميدان العمل الإيجابي. والثاني، التحذير مما يخالفه في ميدان العمل، والتعوذ مما يعيق عن القيام به من العجز
_________________
(١) ١ الطبري، التفسير، جـ١٧، ٢٠٥.
[ ٢٤٧ ]
والكسل والمرض وغلبة الديون وقهر الرجال١. فالجهاد إذن هو -تكنولوجيا الإسلام- التي توفر العمل، والإنتاج في أوقات السلم، والمنعة في أوقات العدوان. ولكن ليس بقصد توفير الرخاء الاقتصادي، والمنعة السياسية لجنس معين من البشر، أو تحقيق تفوق لقوم على بقية الأقوام، أو توفير امتياز لطائفة دينية على بقية الطوائف، وإنما لغاية أخرى هي تأهيل كتلة بشرية لحمل رسالة الإسلام إلى العالم. ولذلك فالذي تقوم به الأقطار المتقدمة صناعيا، وعلميا وإداريا -في الحاضر- هو جهاد لكنه بدون رسالة. وبذلك تكون أزمة العالم الحديث هو أن هناك مجتمعات تقوم بالمظهر المادي للجهاد لكن بدون رسالة، بينما -ترقد في سبات- إلى جانبها مجتمعات تخزن الرسالة في أسفارها، وتستظهر نصوصها في مؤسساتها التربوية، ولكن بدون جهاد لحملها ونشرها.
ولا بد من الانتباه إلى -المعنى الحضاري للجهاد. فالجهاد يعكس مفهوم -الأمن الإسلامي- الذي يركز على إيصال الرسالة، وتبليغها إلى الآخرين بغية توفير الأمن الفكري والمادي، والنفسي لبقاء النوع البشري ورقيه. ذلك إن مصدر الخطر على بقاء النوع البشري ورقيه -حسب التصور الإسلامي- يكمن في "القيم" التي تكفر -أي تحجب وتخفي- قوانين الخلق في النشأة والمصير، وتقتصر على نوازع التمتع بالحياة وشهواتها، ومن هذا -الكفر- تتشوه جميع أشكال الاعتقاد والشعور، والممارسات في ميادين السلوك والاجتماع والعلاقات حتى إذا ظهر أهل الكفر في الأرض أشاعوا الفتن، والمظالم السياسية والمفاسد الاجتماعية، وردوا شبكة العلاقات الاجتماعية إلى عهود الغاب والهمجية والتخلف. ولذلك كان طلب بذل النفس لمحاربة قيم الكفر ومؤسساته وممثليه، وبذل المال لنشر قيم الرسالة الإسلامية، وإقامة مؤسساتها والإنفاق على العاملين
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب الجهاد، صحيح مسلم، كتاب الذكر، سنن الترمذي، كتاب الدعوات.
[ ٢٤٨ ]
والدارسين فيها حتى يتحقق التفوق للقيم الإسلامية، فيشيع السلام ويكون الدين كله لله.
وهذا المفهوم الإسلامي للأمن، والسلام يختلف تمام الاختلاف عن مفهوم الأمن
القومي الذي ترفع لواءه المجتمعات المعاصرة، وتتخذه ذريعة للممارسة مختلف أشكال العدوان ضد بعضها البعض.
وتعريف -الجهاد- بالشكل المذكور أعلاه، يجعل ترجمة هذا -المصطلح- إلى اللغات الأخرى أمرا صعبا وضارا. فهو صعب؛ لأنه لا يوجد ما يقابله في اللغات الأخرى، وهو ضار؛ لأن الترجمة تشوه معناه كما حدث لترجمته إلى اللغة الإنكليزية التي أطلقت عليه اسم -الحرب المقدسة Holy War- حيث عممت مظهرا واحدا من مظاهر الجهاد، وطمست بقية المظاهر.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أثر تراث ما قبل الإسلام في تطبيقات الجهاد عند الشعوب الإسلامية. فالعربي فهم المظهر المرادف لثقافة الغزو الذي كانت القبائل العربية تمارسه قبل الإسلام. والمسلم الباكستاني جذبه المظهر النفسي المشابه لثقافة التقشف الهندوسي، التي كان عليها في جاهليته. وهذا كله من سوء التأويل الذي تتسبب به الموروثات الثقافية السابقة، إذا لم تقم التربية بدورها في الجهاد التربوي الذي يستهدف تزكية مناهج الفهم والتطبيق.
[ ٢٤٩ ]