الفصل الحادي والعشرون: العنصر الخامس النصرة
النصرة هي العنصر الخامس من العناصر المكونة للأمة المسلمة. وللوقوف على مضمون هذا العنصر لا بد من النظر في أمرين: الأول، معنى النصرة في القرآن والحديث. والثاني، المناسبات التي اقترنت بالتوجيهات التي عالجت هذا العنصر، والتطبيقات التي جسدته في مجتمع النبوة والخلفاء الراشدين.
معنى النصرة:
يتردد ذكر مصطلح -النصرة- ومشتقاته في القرآن، والحديث لتعني ما يلي:
- النصرة بمعنى اتباع دين الله والجهاد في سبيله، وطاعة أوامره واجتناب معاصيه. مثل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] .
- النصرة بمعنى التأييد والمساعدة على التفوق والغلبة. مثل قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] .
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥] .
- النصرة بمعنى المؤازرة. مثل قوله تعالى:
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
[ ٣٠٦ ]
وفي الحديث: "النساء ينصر بعضهن بعضا". البخاري -كتاب اللباس.
"من نصر قومه على غير حق فهو كالبعير". أبو داود -السنن، كتاب الأدب، ٨٢.
- النصرة بمعنى الحماية. مثل قوله تعالى:
﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ [هود: ٣٠] .
﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .
- النصرة بمعنى مساندة الحق وإشاعة العدل. مثل قوله تعالى:
﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] .
- النصرة بمعنى الثأر ودفع العدوان. مثل قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] .
﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] .
وفي الحديث: "دونك فانتصري" ١.
"من دعا على من ظلمه فقد انتصر" ٢.
- النصرة بمعنى منع الظلم ودفعه إذا وقع. مثل قوله -ﷺ:
"أمرنا بعيادة المريض ونصرة المظلوم" ٣.
"من أذل عنده مؤمن فلم ينصره، وهو يقدر على نصره أذله الله على رءوس الأشهاد يوم القيامة" ٤.
_________________
(١) ١ مسند أحمد، وسنن ابن ماجه، باب النكاح. ٢ سنن الترمذي، كتاب الدعوات. ٣ سنن النسائي، كتاب الجنائز. ٤ مسند أحمد "شرح الساعاتي"، جـ١٩، ص٦٩، رقم ١٢٠.
[ ٣٠٧ ]
"يقول الله ﷿: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر على أن ينصره فلم ينصره" ١.
أما عن المناسبات التي اقترنت بالتوجيهات القرآنية، والنبوية التي عالجت عنصر النصرة وأدرجته في العناصر المكونة للأمة الإسلامية فهي -أولًا- ذلك الالتزام الكامل الذي قام به الأنصار قولا، وعملا لنصرة الرسول -ﷺ- ونصرة المهاجرين معه، ومن أجل ذلك أطلق عليهم اسم -الأنصار، وهي -ثانيًا- تلك التضحية الكاملة التي قدمها المهاجرين حين اقتلعوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي، وثقافته اقتلاعا كاملا ثم أوقفوا هذه الأنفس لنصرة دين الله ﷾، وهي -ثالثا- إقامة الفريقين مجتمعين لمعاني الإسلام في واقع حياتهم في المجتمع النبوي والراشدي، ثم الخروج إلى العالم كله لإقامة هذه المعاني في حياة الآخرين.
_________________
(١) ١ المتقي الهندي، كنز العمال، جـ٣، ص٥٠٥ نقلا عن الطبراني في المعجم الكبير.
[ ٣٠٨ ]