وأما الحديث - وهو مرادف للسّنّة عند عطفها على الكتاب - فهو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو
[ ٨ ]
فعل أو تقرير أو وصف خُلُقي أو خَلْقي، وهو وحي من الله أوحاه الله على رسوله ﷺ، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤]، وفي صحيح البخاري (١٤٥٤) كتاب أبي بكر إلى أنس الطويل في بيان فرائض الصدقة، وفي أوله قال: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله"، وروى مسلم في صحيحه (١٨٨٥) عن أبي قتادة أنه حدث عن رسول الله ﷺ أنه قام فيهم، فذكر لهم: "أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله تكفَّر عنّي خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ: نعم! إن قتلتَ في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر، إلاّ الدَّين؛ فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك" ورواه النسائي (٣١٥٥) عن أبي هريرة، وفي
[ ٩ ]
آخره: "نعم! إلاّ الدَّين، سارَّني به جبريل آنفًا"، وفي صحيح البخاري (١٧٨٩) ومسلم (١١٨٠) عن يعلى ابن أمية في قصّة الرجل الذي عليه جبّة وهو متضمخ بالخلوق، وقد سأل النبي ﷺ بالجعرانة: "كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ " فنزل عليه الوحي، وفي آخر الحديث: "فلما سُرِّي عن الرسول ﷺ قال: "أين السائل عن العمرة؟ اخلع عنك الجبّة، واغسل أثر الخلوق منك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك"
والعمل بالسّنّة والحديث لازم كالعمل بالقرآن، قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]،وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[ ١٠ ]
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣] .
وتتبين أهمية العناية بأحاديث رسول الله ﷺ وسنّته في قوله ﷺ: "نضّر الله امرءًا سمع منّا حديثًا فحفظه حتى يبلّغه، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه" رواه أبو داود (٣٦٦٠) وهذا لفظه، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٢٣٠) عن زيد بن ثابت ﵁، وهو حديث متواتر، جاء عن أكثر من عشرين صحابيًا، ذكرت رواياتهم وما اشتمل عليه من الفقه في كتابي" دراسة حديث نضّر الله امرءًا سمع مقالتي رواية ودراية"، وفي هذا الحديث بيان فضل من اشتغل بسنّة الرسول ﷺ؛ حيث دعا له الرسول ﷺ بهذه الدعوة العظيمة، وقال العرباض بن سارية ﵁: "وعظنا رسول الله ﷺ
[ ١١ ]
موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قال قائل: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء المهديين الراشدين تمسّكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" رواه أبو داود (٤٦٠٧) - وهذا لفظه - والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣-٤٤)، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح»، وروى مسلم في صحيحه (٨٦٧) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب يوم الجمعة قال:" أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة"، وقال رسول الله ﷺ: "فمن رغب عن سنّتي فليس منّي" رواه
[ ١٢ ]
البخاري (٥٠٦٣) ومسلم (١٤٠١)، وروى البخاري في صحيحه (٧٢٨٠) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمّتي يدخلون الجنّة إلاّ مَن أبى، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنّة، ومَن عصاني فقد أبى".
وأهم الكتب المؤلفة في حديث رسول الله ﷺ الكتب السّتّة وهي: صحيح الإمام البخاري المتوفى سنة (٢٥٦هـ)، وصحيح الإمام مسلم المتوفى سنة (٢٦١هـ)، وسنن أبي داود المتوفى سنة (٢٧٥هـ)، وسنن الترمذي المتوفى سنة (٢٧٩هـ)، وسنن النسائي المتوفى سنة (٣٠٣هـ)، وسنن ابن ماجه المتوفى (٢٧٣هـ)، وقد لقيَت هذه الكتب من العلماء عناية خاصة، وكتبتُ في ذلك رسالة مختصرة بعنوان: "كيف نستفيد من الكتب الحديثية السّتّة"، ذكرت فيها جملة من كلامهم وجهودهم في هذه الكتب.
[ ١٣ ]
والكتب المؤلفة في حديث رسول الله ﷺ كثيرة جدًّا، ومن أشهرها سوى ما تقدّم: موطّأ الإمام مالك، وسنن الدارمي ومسند الإمام أحمد.
[ ١٤ ]