وأما الفقه فهو استنباط الأحكام من أدلة الكتاب والسّنّة، وقد اعتنى بذلك المفسرون وشرّاح الحديث، وقد قال ﷺ: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" رواه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية ﵁، وهو يدل على أن من علامة إرادة الله ﷿ الخير بالعبد أن يفقهه في الدين؛ لأنه إذا فقه في دين الله يعبد الله على بصيرة، ويدعو غيره إلى الحق والهدى على بصيرة، وروى البخاري (٣٣٥٣) ومسلم (٢٣٧٨) عن أبي هريرة ﵁: "قيل يا رسول الله! مَن أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن
[ ١٤ ]
معادن العرب تسألون؟ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، وهذا الحديث دال على أن من كان خيارًا في الجاهلية لما اتصف به من صفات حسنة وأخلاق كريمة ثم أسلم على هذه الصفات وفقه في دين الله، فإنه يكون جمع بين الشرف والسؤدد في الجاهلية والإسلام، قال النووي في شرح مسلم (١٥/١٣٥): "ومعناه أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية إذا أسلموا وفقهوا، فهم خيار الناس، قال القاضي: وقد تضمّن الحديث في الأجوبة الثلاثة أن الكرم كله عمومه وخصوصه ومجمله ومبانه إنما هو الدين من التقوى والنبوة والإعراق فيها والإسلام مع الفقه، ومعنى معادن العرب أصولها، وفقهوا بضم القاف على المشهور، وحكي كسرها، أي صاروا فقهاء عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية، والله أعلم"
[ ١٥ ]
وفي صحيح البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢) عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفةً أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"، والحديث يدل على أن الناس في الوحي ثلاثة أصناف: صنف فقه
في دين الله فعلم وعلّم، وصنف حفظ ما جاء عن النبي ﷺ، فحصلت الفائدة والمنفعة من حفظه، وإلى هذين الصنفين الإشارة في حديث زيد بن ثابت المتقدّم، وهو قوله ﷺ: "نضّر الله امرءًا سمع منا
[ ١٦ ]
حديثًا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه"، وأما الصنف الثالث فهو الذي لم يحفظ ولم يفقه، فلم ينتفع ولم ينفع.
[ ١٧ ]