الجمع في دراسة العلم بين الحديث والفقه
ومن أهم المهمات لطالب العلم أن يكون في دراسته جامعًا بين الحديث والفقه، بين الدليل
[ ٤٩ ]
والمدلول، فلا تكون دراسته متمحضة في معرفة كثرة الطرق للأحاديث، مغفلة معرفة المسائل الفقهية وأقوال أهل العلم فيها، وفي مقابل ذلك لا تكون مهمته منحصرة في معرفة المسائل الفقهية دون عناية بمعرفة أدلتها وترجيح الراجح فيها؛ لأنه إذا أخلّ بجانب الفقه فاته الكثير من معرفة مسائله وأحكامها، وإن أخلّ بجانب الحديث فاته العلم بأدلة المسائل الفقهية، وقد يستدل بالأحاديث الضعيفة لعدم عنايته وتمكنه من معرفة الصحيح الذي يعوّل عليه والضعيف الذي لا يحتج به، وقد أوضح الإمام أبو سليمان الخطابي المتوفى سنة (٣٨٨هـ) في كتابه معالم السنن (سنن أبي داود) أهمية الجمع بين معرفة الحديث والفقه، وأن الفقيه لابد له من الحديث، والمحدّث لابد له من الفقه، فقال في مقدّمة كتابه (١/٣-٤): "وقد رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين،
[ ٥٠ ]
وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميّز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب. فأما الطبقة الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما وكدهم الروايات وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون سيرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون، وأما
[ ٥١ ]
الطبقة الأخرى، وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلاّ على أقله، ولا يكادون يميّزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيّده من رديئه، ولا يعبأون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع، إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك ضلة من الرأي وغبنًا فيه ".
[ ٥٢ ]