والفقه في الدين هو الفهم في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ واستنباط الأحكام منهما، فأما الفهم في الكتاب العزيز، ففي صحيح البخاري (٣٠٤٧) عن أبي جحيفة ﵁ قال: قلت لعلي ﵁: "هل عندكم شيء من الوحي إلاّ ما في كتاب الله؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! ما أعلمه إلاّ فهما يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر"
ومن أمثلة فهم علي ﵁ في كتاب الله استنباطه
[ ١٧ ]
من آيات البقرة ولقمان والأحقاف، أن أقلّ مدّة الحمل ستة أشهر، قال ابن كثير في تفسيره عند قوله في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ "وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع التي في لقمان:
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ وقوله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ على أن أقل مدّة الحمل ستّة أشهر، وهو استنباط قوي صحيح، ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃"
ومن الفهم في كتاب الله استنباط شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ صحّة إمامة أبي بكر ﷺ من قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧]، قال في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (١/٣٦): "يؤخذ من هذه
[ ١٨ ]
الآية الكريمة صحّة إمامة أبي بكر الصديق ﵁؛ لأنه داخل فيمن أمرَنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم - أعني الفاتحة - بأن نسأله أن يهدينا صراطهم، فدلّ ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم، وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وقد بيّن الذين أنعم عليهم فعدّ منهم الصديقين، وقد بيّن ﷺ أن أبا بكر ﵁ من الصديقين، فاتّضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم الذين أمرَنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم، فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق"
وكتابه أضواء البيان حافل بالأمثلة الكثيرة من الفهم في كتاب الله ﷿.
ومن الفهم في كتاب الله فهم عمر وابن عباس ﵃ من قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
[ ١٩ ]
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١-٣]، قرب أجل رسول الله ﷺ، فقد روى البخاري في صحيحه (٤٢٩٤) عن ابن عباس قال:" كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما أُريته دعاني يومئذ إلاّ ليريهم مني، فقال: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾؟ حتى ختم السورة، فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس! أكذاك تقول. قلت: لا! قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلَمَه الله له ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة، فذاك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ
[ ٢٠ ]
تَوَّابًا﴾ قال عمر: ما أعلم منها إلاّ ما تعلم"
ومن كتب التفسير التي عُنيت باستنباط الأحكام من القرآن، كتاب الجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي المتوفى سنة (٦٧١هـ)، ومما يُنَبَّه عليه أن لديه تخليطًا في صفات الله ﷿، يتّضح ذلك بما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]، في سورة الأعراف.
وأما الفهم في سنّة الرسول ﷺ فيكون باستنباط الأحكام الشرعية مما ثبت عن الرسول ﷺ فكان من قبيل الصحيح أو الحسن، وأما الأحاديث الضعيفة التي لا تستفاد الأحكام إلاّ منها، فلا يعوَّل عليها، وإنما التعويل على ما ثبتت نسبته إلى رسول الله ﷺ، وهو الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة.
ومن أمثلة الاستنباط الدقيق من الحديث ما اشتملت عليه تراجم الإمام البخاري في صحيحه، من
[ ٢١ ]
فهم دقيق واستنباط عجيب، جعل كتابه كتاب رواية ودراية، جمع فيه بين الحديث والفقه، ومن أمثلة ذلك: ترجمة "باب صب النبي ﷺ وَضوءه على مغمى عليه"، وأورد تحتها الحديث (١٩٤) عن جابر ﵁ قال: "جاء رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض لا أعقل، فتوضّأ وصبّ عليَّ من وَضوئه فعقلت، فقلت: يا رسول الله! لمن الميراث، إنما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض" فتعبيره ﵀ في الترجمة بـ "صب النبي ﷺ وَضوءه على مغمى عليه" إشارة إلى أنه من خصائصه ﷺ، ولهذا لم يقل: باب صب الإمام أو العالم أو الكبير أو الزائر وَضوءه على مغمى عليه.
ومن ذلك ترجمة "باب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له بعد ثلاثة أيام أو بعد شهر أو بعد سنة جاز، وهما على شرطهما الذي اشترطاه إذا جاء الأجل"، وأورد تحتها حديث عائشة ﵂ (٢٢٦٤) قالت: "واستأجر
[ ٢٢ ]
رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الديل هاديًا خريتًا، وهو على دين كفار قريش، فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث" وقد استنبط بهذه الترجمة من هذا الحديث أن وقت تنفيذ المعقود عليه يجوز أن يكون متراخيًا عن وقت إبرام العقد.
ومن الفهم في سنة رسول الله ﷺ ما استنبطه النسائي (٧) من قوله ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، فقال في الترجمة لهذا الحديث: "الرخصة في السواك بالعشي للصائم" والمراد أن الصائم يستاك في آخر النهار لأن صلاة العصر تكون فيه، خلافًا لمن قال بمنعه آخر النهار لأنه يُذهب الخلوف، وقد أثنى السندي على هذا الاستنباط، فقال في حاشيته على سنن النسائي: "ولا يخفى أن هذا من المصنف استنباط دقيق وتيقظ
[ ٢٣ ]
عجيب، فلله درّه؛ ما أدقّ وأحدّ فهمه! "
ومن الفهم الدقيق ما ذكره الحافظ في فتح الباري (١/٥٤) عند شرح حديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، أخرجه البخاري (١٠) ومسلم (٦٤)، قال: "وخصّ اللسان بالذكر لأنه المعبّر عما في النفس، وهكذا اليد لأن أكثر الأفعال بها، والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعد، بخلاف اليد، نعم! يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة وإن أثرها في ذلك لعظيم، ويستثنى من ذلك شرعًا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعا زير على المسلم المستحق لذلك، وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة، فيدخل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء
[ ٢٤ ]
على حق الغير بغير حق".
وقد اشتملت كتبُ الشروح الحديثية على إيراد الفوائد الفقهية المستنبطة من الأحاديث، فمستقل ومستكثر، ومن أهم الكتب التي عنيت بذلك فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني، وقد ذكر عند شرح حديث عتق بريرة ﵂ (٢٥٦٣) جملة كبيرة من الفوائد المستنبطة منه، وقال (٥/١٩٤):" قال ابن بطّال: أكثرَ الناسُ في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلَّغوها نحو مائة وجه، وسيأتي الكثير منها في كتاب النكاح، وقال النووي: صنَّفَ فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين، أكثرا فيهما من استنباط الفوائد، فذكرا أشياء، قلت: ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه تهذيب الآثار، ولخصت منه ما تيسر بعون الله تعالى، وقد بلَّغ بعض
[ ٢٥ ]
المتأخرين الفوائد من حديث بريرة إلى أربعمائة أكثرها مستبعد متكلف، كما وقع نظير ذلك للذي صنَّف في الكلام على حديث المجامع في رمضان، فبلغ به ألف فائدة وفائدة".
وذكر الحافظ ابن حجر أيضًا في شرح حديث أنس (٦٢٠٣) في قصّة أخيه أبي عمير الذي قال له النبي ﷺ: "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ " جملة كبيرة من الفوائد، بعضها من استنباطه، وبعضها من استنباط ابن القاص، قال (١٠/٥٨٤): "وفي هذا الحديث عدّة فوائد، جمعها أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص الفقيه الشافعي صاحب التصانيف في جزء مفرد، بعد أن أخرجه من وجهين عن شعبة عن أبي التياح، ومن وجهين عن حميد عن أنس، ومن طريق محمد بن سيرين، وقد جمعتُ في هذا الموضع طرقه وتتبّعت ما في رواية كل منهم من فائدة
[ ٢٦ ]
زائدة، وذكر ابن القاص في أول كتابه أن بعض الناس عاب على أهل الحديث أنهم يروون أشياء لا فائدة فيها، ومثَّل ذلك بحديث أبي عمير هذا، قال: وما درى أن في هذا الحديث من وجوه الفقه وفنون الأدب والفائدة ستين وجهًا، ثم ساقها مبسوطة، فلخصتها مستوفيًا مقاصده، ثم أتبعته بما تيسر من الزوائد عليه، فقال: "، ثم ذكر فوائد ابن القاص إلى قوله:"وفيما يسره الله تعالى من جمع طرق هذا الحديث واستنباط فوائده ما يحصل به التمييز بين أهل الفهم في النقل وغيرهم ممن لا يهتدي لتحصيل ذلك، مع أن العين المستنبط منها واحدة، لكن من عجائب اللطيف الخبير أنها تسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، هذا آخر كلامه ملخصًا"، ثم ذكر الفوائد التي زادها على ابن القاص.
ومن الشروح الحديثية التي عنيت بسرد الفوائد
[ ٢٧ ]
المستنبطة من الأحاديث كتاب (طرح التثريب في شرح التقريب) لزين الدين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦ هـ) وابنه أبي زرعة المتوفى سنة (٨٢٦ هـ)، فإنه يذكر عند كل حديث الفوائد المستنبطة منه مسرودة، وأول حديث فيه حديث عمر بن الخطاب ﵁: "إنما الأعمال بالنيات"، وقد اشتمل على ثلاث وستين فائدة.
وقد ألّف بعض العلماء شروحًا لأحاديث مفردة، ذكروا فيها ما اشتملت عليه تلك الأحاديث من الفوائد الفقهية، ومن تلك المؤلفات: «بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد» للقاضي عياض المتوفى سنة (٥٤٤ هـ)، و«نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد» لصلاح الدين العلائي المتوفى سنة (٧٦٣ هـ)، وهما مطبوعان.
[ ٢٨ ]