الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، علماء مجتهدون دائرون في اجتهادهم بين الأجر والأجرين، وقد تقدّم ذكر جملة من وصاياهم، في ترك تقليدهم، والتعويل على الأدلة، ومن تمكن من معرفة الحق بدليله، تعيّن عليه الأخذ به، تنفيذا لوصاياهم، وقد قال الشافعي ﵀: "أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد" وقال ابن خزيمة: "ويحرم على العالم أن يخالف السّنّة بعد علمه بها» فتح الباري (٣/٩٥)، وقال أيضًا في رفع اليدين عند القيام من الركعتين:"هو سنّة وإن لم يذكره الشافعي، فالإسناد صحيح، وقد قال: قولوا بالسنة ودعوا قولي". فتح الباري (٢/٢٢٢)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن أهل السّنّة لم يقل أحد منهم: إن إجماع الأئمة
[ ٤٤ ]
الأربعة حجة معصومة، ولا قال: إن الحق منحصر فيها، وأن ما خرج عنها باطل، بل إذا قال من ليس من أتباع الأئمة كسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد ومن قبلهم من المجتهدين قولًا يخالف قول الأئمة الأربعة، ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، وكان القول الراجح هو القول الذي قام عليه الدليل". منهاج السنّة (٣/٤١٢) .
ومن المعلوم أن أول الأئمة أبو حنيفة المولود سنة (٨٠ هـ)، والمتوفى سنة (١٥٠هـ)، وما كان عليه الناس قبل زمان الأئمة الأربعة، هو الذي عليهم أن يكونوا عليه في أزمانهم وبعد أزمانهم، وهو التعويل على الأدلة، وترك التقليد، وأما العامي ومن لم يتمكن من معرفة الحق في المسائل الفقهية، ولم يجد من أهل العلم من يبصره فيها فله أن يقلّد أحد المذاهب الأربعة، لأنه مضطر، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ
[ ٤٥ ]
مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، قال شيخنا الشيخ عبد العزيز ابن باز ﵀ في رده على الصابوني في قوله عن تقليد الأئمة الأربعة: "إنه من أوجب الواجبات" قال: "لا شك أن هذا الإطلاق خطأ، إذ لا يجب تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم مهما كان علمه؛ لأن الحق في اتباع الكتاب والسّنّة لا في تقليد أحد من الناس، وإنما قصارى الأمر أن يكون التقليد سائغًا عند الضرورة لمن عرف بالعلم والفضل واستقامة العقيدة، كما فصل ذلك العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) ولذلك كان الأئمة ﵏ لا يرضون أن يؤخذ من كلامهم إلاّ ما كان موافقًا للكتاب والسّنّة، قال الإمام مالك ﵀: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويرد إلاّ صاحب هذا القبر"، يشير إلى قبر رسول الله ﷺ، وهكذا قال إخوانه من الأئمة في هذا المعنى، فالذي يتمكّن من
[ ٤٦ ]
الأخذ بالكتاب والسّنّة يتعين عليه ألاّ يقلّد أحدًا من الناس، ويأخذ عند الخلاف بما هو أقرب الأقوال لإصابة الحق، والذي لا يستطيع ذلك فالمشروع له أن يسأل أهل العلم، كما قال الله ﷿: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]» . مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (٣/٥٢) .
وقال شيخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان (٧/٥٥٣): "لا خلاف بين أهل العلم في أن الضرورة لها أحوال خاصّة تستوجب أحكامًا غير أحكام الاختيار، فكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاءً صحيحًا حقيقيًا فهو في سعة من أمره فيه"، إلى أن قال: "وبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيًا بحيث يكون لا قدرة له البتّة على غيره، مع عدم التفريط لكونه لا قدرة له أصلًا على الفهم، أو له قدرة على الفهم وقد عاقته
[ ٤٧ ]
عوائق قاهرة عن التعلم، أو هو في أثناء التعلم، ولكنه يتعلم تدريجًا؛ لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد، أو لم يجد كفؤًا يتعلم منه ونحو ذلك، فهو معذور في التقليد المذكور للضرورة؛ لأنه لا مندوحة له عنه، وأما القادر على التعلم المفرط فيه والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي فهو الذي ليس بمعذور"
[ ٤٨ ]