الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أهل العلم مجتهدون، فما أصابوا فيه لهم أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، ومن أخطأ منهم هو مأجور أجرًا واحدًا على اجتهاده وبذله وسعه لمعرفة الحق، وقد جاء عن الأئمة الأربعة نصوص فيها وصاياهم لغيرهم بأن يأخذوا بما دلت عليه الأدلة ويتركوا أقوالهم، وقد أورد الشيخ صالح الفلاني المتوفى سنة (١٢١٨هـ) في كتابه (إيقاظ الهمم) نقولًا عنهم في ذلك: منها قول الإمام أبي حنيفة (ص:٥٠): "إذا قلت قولًا وكتاب الله يخالفه، قال: اتركوا قولي
[ ٣٨ ]
لكتاب الله، فقيل: إذا كان خبر رسول الله ﷺ يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله ﷺ، فقيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: اتركوا قولي لقول الصحابة"
وقوله (ص:٥٤): "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذه من الكتاب والسّنّة أو إجماع الأمّة أو القياس الجلي في المسألة"، وقوله (ص:٦٢): "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي"
ومنها قول الإمام مالك (ص:٧٢): "إنما أنا بشر أخطىء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسّنّة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسّنّة فاتركوه"
ومنها قول الإمام الشافعي (ص:١٠٠): "ما من أحد إلاّ وتذهب عليه سنّةٌ لرسول الله ﷺ وتعزب عنه، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن
[ ٣٩ ]
رسول الله ﷺ خلاف ما قلت، فالقول ما قاله رسول الله ﷺ وهو قولي"
وقوله: "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول الله ﷺ فقولوا بسنّة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت"
وقوله (ص: ١٠٣): "أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد"
وقوله (ص: ١٠٤):"كل مسألة صحّ فيها الخبر عن رسول الله ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي"، وقوله (ص: ١٠٧): "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي"
ومنها قول الإمام أحمد (ص: ١١٣) وقد قيل له:" الأوزاعي هو أتبع أم مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعدُ الرجلُ فيهم مخير".
[ ٤٠ ]
وقوله: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا"
وانظر مقدمة صفة صلاة النبي ﷺ للألباني (ص: ٢٣-٣٧)، وهذه النقول عن الأئمة الأربعة ﵏ تدل على ورعهم وفقههم وإنصافهم، ومن المتعين على كل ناصح لنفسه الأخذ بهذه الوصايا، وتقدّم قريبًا في كلام ابن القيم قوله: "فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يُهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم؛ فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقًا من امتثل ما أوصوا به لا من خالفهم"
[ ٤١ ]